دماء ورمال

سمير عطاالله
23082017
النهار

قال غارسيا لوركا إن “الرملة هو الشارع الوحيد في العالم الذي أتمنى ألا ينتهي”. يخطر هذا القول دائماً وأنا ذاهب الى “لاس رامبلاس”

لتناول القهوة وسط هذا المعرض البشري الذي لا موازاة له. لا في مقاهي باريس، ولا في ساحات لندن، ولا في “تايمس سكوير” تجد هذا العدد من الجنسيات، يطلبون لذة الخمول ومكافأة التعب في مكان واحد. يجب أن تتذكر ايضاً تحفة برتراند راسل “في مديح اللاعمل”.

رواد “الرملة”، طالبو راحة واستراحة. إنه وسط برشلونة، حيث يرتفع على مسافة قليلة تمثال كريستوف كولومبوس، الإيطالي الذي ابحر من هنا طالباً الهند، فأوقعه خطأ ملاحي على “العالم الجديد”، الممتد من فقرهايتي إلى بوسطن. موطن هارفرد و”إم آي تي” و جون ف. كينيدي.

الفارق بين العالم المتقدم وضده، ليس في الجغرافيا. في البشر. وما يفرق البشر هو العلم والانتاج. لاحظ القواسم المشتركة بين أبطال مجازر الشاحنات القاتلة: شبان عاطلون عن العمل، يتقصدون دوماً أماكن الفرح. “ضيوف” في بلدان تقدم لهم المساواة بأبنائها، ثم يتنكرون لعدالتها، ويستهدفون أمنها واقتصادها وسمعة الهدوء، وخصوصاً علاقة شعبها بالغرباء.

في المبدأ، ليس هناك من علاقة خاصة بين دولة أوروبية ودولة عربية، مثلما بين مملكتي اسبانيا والمغرب. تكريماً لدور المغاربة الى جانب فرانكو في الحرب الأهلية، بقيت مدريد العاصمة الاوروبية الوحيدة التي لا تعترف باسرائيل، إلى ما بعد وفاته 1975. وكان العامل المغربي الى الساحل الاسباني المقابل كأنه في بلاده. وتغير هذا الوضع قليلاً بعد مجزرة قطار مدريد المسائي العام 2004.

إذ بدل أن تتطور العلاقة بين البلدين إلى شبه وحدة طبيعية، تسيء قلَّة مغربية وقلَّة عربية أخرى، في مجالات لا اخلاقية كثيرة، إلى طبيعة الروابط التاريخية والجغرافية. الإرهاب هو طفح الكيل. على رغم ذلك، صدر عن رئيس حكومة كاتالونيا بعد مجزرة “الرملة” هذا البيان: “نعرف ان جميع الناس الطيبين من جميع الخلفيات والأديان والفئات الاجتماعية، يقفون إلى جانب الضحايا. إنهم معنا. وإن الديموقراطية والقيم التي تتضمنها الحرية أقوى من العنف الإرهابي. ولن ندع مجموعة صغيرة تغير طريقة حياتنا”.

ما هو الحل عند الرئيس الحالي للولايات المتحدة؟ أن يُعاقب الإرهابيون الاسلاميون كما عاقب الجنرال جون بيرشنغ، (القرن التاسع عشر)، ارهابيي الفيليبين: “رصاصة في رأس كل ارهابي بعد تغميسها بدم خنزير”!

هناك نصيحة أرقى، للفريقين، من وزير خارجية ليبيا سابقاً، عبد الرحمن شلقم، الكاتب والشاعر الكبير: العقل والحرية! توصَّل الى هذه القناعة المطلقة، بعد سنوات من العمل مع معمر القذافي، حيث كانت “الجماهيرية العظمى” تفتقر الى الإثنين فقر الدم النازف.

رفعت الأنظمة العربية شعار الحرية، وتبنت العبوديات على أنواعها. ومعمر القذافي كان يسمي وزيره شلقم “العبد” بسبب بشرته الافريقية. وأميركا نفسها كان رئيسها في القرن ما قبل السابق ابراهام لنكولن، ورئيسها اليوم دونالد ترامب الذي يصوّره كاريكاتور “بلانتو” في “الموند” عضواً في الـ”كو كلوكس كلان”، أسوأ عصابات أميركا العنصرية.

وقعت مجزرة “الرملة” بعد يوم واحد من مجزرة تشارلوتسفيل فيل في الولايات المتحدة. ورأى بعض ذوي الاقلام العرب في التوحش اليميني الاميركي تبريراً للإرهاب الداعشي. وهذه حالة مرضية سقيمة سببها، كما يقول شلقم، العداء للحرية والعقل. من شاحنتيّ برلين ونيس الى “فان” برشلونة، المرتكبون لا ينتمون الى الإثنين. شبان عاطلون اغرار، يسهل على المحرضين تعبئتهم بروحية القتل وثقافات الموت.

بَنَت فنلندا في الستينات أول مساجدها، فكتب المؤرخ يوسف ابراهيم يزبك دراسة بعنوان “المسجد الأبعد شمالاً”. وكانت فنلندا قد ارسلت الى الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر، مستعرباً أسلم، وسمى نفسه عبدالله فالين، تولى أن يشرح لمواطنيه، بارفع المشاعر وأرقى الأدب، معاني الاسلام ومفاهيمه. والأسبوع الماضي، جاء الى توركو الفنلندية، مغربي في الثامنة عشرة يطعن اهل المدينة بالسكاكين حتى الموت.

السبب؟ أن طلبه للجوء قد رُفض، ففعل ما فعله طالب لجوء سوري في هامبورغ قبل أسابيع: ذهب الى أقرب مركز للتسوق، وطعن كل من استطاع. هناك ملايين الاوروبيين الذين لا يعثرون على عمل، وأقصى ما يذهبون إليه هو الاضراب. لا يمكن اعطاء سبب ديني لجرائم اخلاقية من هذا النوع، سواء كانت فردية مجنونة، أو تنظيمية أكثر تعمداً وعبثاً واثارة للعداء للعرب والاسلام.

دخلت أحد مقاهي اسبانيا مع أصدقاء عرب بعد مجزرة برشلونة، فوجدنا نظرات الناس علينا مختلفة تماماً عما كانت قبل يومين. وهَمهَم بعض الرواد في وضوح. وخفضنا اصواتنا ونحن نتحدث. قبل برشلونة كان الاسبان هم الاوروبيون الأكثر مودة للعرب. لكن الفوضى التي يمددها الإرهاب بين أبرياء أوروبا سوف تغير خريطة المشاعر. ما هو اسوأ من الإرهاب الفوضوي، ذلك النوع من الإرهاب الذي يمثله رجب طيب اردوغان. فقد طلب من الاتراك الالمان عدم الاقتراع لانغيلا ميركل، السيدة التي استقبلت مليون لاجىء مسلم، على رغم رفض احزاب المعارضة. هذه الرعونات المخالفة للعرف الاخلاقي، توسع الهوة التي يحاول العقلاء ردمها بين اهالي حوض المتوسط، الذي سماه عبد الرحمن شلقم “البحر الأبيض المتورط”.

ففي جانب كبير منه لم يعد يرسل الى الجانب الآخر سوى اللاجئين والهاربين وجزاري الشاحنات. لا طارق بن زياد، ولا عبد الرحمن الداخل، ولا ابن خلدون، ولا ابن رشد. بين ضحايا “الرملة” 35 جنسية ما بين قتيل وجريح. 35 شعباً سوف تذكر ان “العرب” يقتلون ابناءهم وهم يتأملون تجاور الحضارات في هذا الملتقى البديع.

الخطر الذي يمثله “داعش” في اوروبا، سواء في حضارات برشلونة أو صقيع فنلندا، أن حربه بلا جبهات معروفة. مرة في احتفال نيس بعيد 14 تموز، ومرة في احتفال برلين بعيد الميلاد، ومرة في احتفال العالم بصيف برشلونة. الأمر يختلف في الموصل وتلعفر والرقة وجرود البقاع، حيث تخوض الجيوش حرب قصم الظهر واجتثاث السلطة المرعبة. وبعدما وقف الجيش اللبناني، أكثر من ثلاث سنوات، سداً في وجه التمدد الداعشي نحو الداخل، بدأ اخيراً معركة الفصل في مناخ عربي ودولي يعيش المرحلة الأخيرة من “دولة الخلافة”.

لقد قلب “داعش” الكثير من الخريطة العربية، وحمل آلاف الاغراب الى سوريا والعراق، لكن الجيش اللبناني حافظ، بقدرة مهنية عالية، وتضحيات حياتية فائقة، على صد الارهابيين وحصرهم وابعادهم عن المناطق الآهلة.

داخل المعادلة، أو خارجها، يظل الجيش هو القاسم الوطني الذي لا جدال حوله. دائماً لا يحل أحد محله، ولا يحل مكان أحد. هو رمز السيادة، وهو ضمانة الجميع، مهما بعثر السياسيون معاني الحرية والاستقلال.

حرب الجيش في الجرود ليست تكريساً لدوره على الحدود، بل لمركزيته في الداخل، يتفق حوله المختلفون، ويلتقي من حوله المتباعدون.

هذا هو الجزء السليم من الدولة التي بليت بالاهتراء عبر السنين. ومعه المؤسسات الأمنية الأخرى التي لا يجوز اغفال دورها وكفاءتها. ومنذ احداث سوريا، كان الدور الذي أداه اللواء عباس ابراهيم، أساسياً وعالياً، في تفكيك الازمات والمحن المتداخلة والمتلاحقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*