دليلٌ جديدٌ أن المنطقةَ غيرُ صالحةٍ للسكَن

 

جهاد الزين
النهار
13102018

سيكون لخطف جمال الخاشقجي أيا يكن مصيره الشخصي، أثر كبير جدا على المناخ السياسي في المنطقة. قضايا “الربيع العربي” أو التي أثارها ما سُمِّي “الربيع
العربي” سيكون وقْعها مختلفا. قضية اغتيال رفيق الحريري التي شغلت العلاقات العربية الدولية سنواتٍ طويلة سيكون وقعها مختلفا. أكاد أقول فكرة الأمن السياسي لأنظمة المنطقة من تركيا لإيران وبينهما دول الخليج والمشرق ستكون مختلفة.

أتحدث هنا عن انتقال سياسي نفسي، أو بسيكو سياسي في تقييم قوى المنطقة وعلاقاتها تنهي شبه الخرافات السائدة وتجعلها سابقة.

إنها صدمة كبيرة. لا لأن جمال الخاشقجي كان شخصا غير عادي. الزميل الخاشقجي، الذي لا أعرفه شخصيا، هو صحافي متنوِّر وقدير كما كان انطباعي عنه وأنا أشاهده على التلفزيون في سجالات عديدة، فقد كان شخصية إعلامية عربية معروفة ولكن “عادية” بمعايير الموازين السياسية رغم علاقاته السياسية التي قد تكون لعبت دورا ما في قرار إخفائه. لكنه أيضا صحافي متدرّب على الولاء لسياسات المملكة العربية السعودية قبل أن ينتقل إلى واشنطن. هو إذن صحافي يذهب إلى الاعتراض آتيا من ردهات السلطة. انتقاله إلى واشنطن في السياق الاعتراضي الذي انتقل فيه هو الذي يجعل الأضواء عالمية وحساسة على ما بعد اختفائه، ناهيك عن طبيعة الاختفاء أو الإخفاء نفسها التي هي غامضة بقدر ما هي علنية وفي بلد كتركيا هي اليوم مع نظام الرئيس رجب طيّب أردوغان عاصمة إقليمية لـ”الإخوان المسلمين”.

سيلغي إخفاء جمال الخاشقجي الفوارق بين الأنظمة السياسية في المنطقة. هذا ليس بسيطاً بعد كل ماحدث منذ إسقاط صدام حسين في العراق مروراً بما أَعْتبِرهُ بداية “الربيع العربي ” الأولى الجهيضة في إيران عام 2009 ثم انتقاله إلى مصر وسوريا ودول أخرى قبل أن يتحوّل إلى قوة تدمير لدول ومجتمعات المنطقة.

أيضا تكشف صدمة إخفاء جمال الخاشقجي الطابع “الوجودي” لنظرة الأنظمة السياسية إلى صراعاتها. لسنا هنا أمام أنظمة تقاتل على النفوذ بل عادت لتقاتل على الوجود. وجودها ذاته. وهي لذلك، كما ظهر في أمكنة ومناسبات عديدة، هي مستعدة لأن تفعل أي شيء في هذا الصراع. اختفاء جمال الخاشقجي الغامض جدا العلني جدا هو بالضبط هذا الـ”أي شيء”. طبعاً الموضوع في أحد مستوياته الهامة لا يتعلّق حتى بكون جمال الخاشقجي صحافيا بل بكونه مواطنا يدخل أرضا ديبلوماسية تابعة لبلاده أو بلاد أخرى. العملية مرفوضة ومدانة سواء حصلت في قنصلية سعودية أو إيرانية أو تركية أو أي قنصلية عربية بل أي قنصلية في العالم.

في تاريخ المنطقة، الدولُ، أو بعض الدول، تغتال الصحافيين، علنا أو مواربةً.لكن حيثما كان في العالم يموت صحافيون، صدفةً أو عمدا، وهم يؤدّون مهامهم، وفي أوروبا المافيات السرية ناشطة مؤخرا من مالطة إلى سلوفينيا وغيرهما في قتل من يجرؤ من الصحافيين على تجاوز “حدودهم” في التقارير التي ينشرونها عن الفساد في بلدانهم.

في العالمين الثاني والثالث ليس الصحافيون وحدهم من يُخْفَوْن أو يُقتلون، بل معارضون من فئات سياسية متنوعة. هذه نقطة مهمة. لكن في الشرق الأوسط لا شك أن استهداف السلطات السياسية للصحافيين هو العلامة البارزة في تاريخ الصحافة وإحدى علامات رئيسية في تاريخنا السياسي.

لن نعود إلى الماضي، إنما بالضبط لأن هناك هذا الماضي، تبدو لي عملية إخفاء الزميل جمال الخاشقجي وكأنها بل هي، ذات دلالتين على ما هو أشمل:

الأولى أن الزمن السياسي لا يتقدم في المنطقة فلا زلنا في عالم أنظمة عربية وتركية وإيرانية استبدادية.

الثانية أن “الربيع العربي” لا يموت مرة جديدة فقط، وقد مات في السابق عدة مرات، بل هو أيضا يموت في مسخرة سياسية تكتمل في كل المنطقة.

إنها منطقة تُقدِّم دليلاً جديداً أنها غير صالحة للسكَن.

غير صالحة للسكن.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*