دكاكين التعليم العالي

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه الياس معلوف في “النهار” بتاريخ 12 أيلول 2016، حمل عنوان: “دكاكين التعليم العالي”.
        النهار
    31082017

صدر قانون التعليم العالي الخاص بتاريخ 21/12/1961، وطال العمل به حتى مرَّ عليه الزمن، كباقي القوانين الستينية. أواخر عام 1994 تشكّلت لجنة وزارية نقابية، عقدت اجتماعاً يتيماً عقيماً في مقر مجلس الوزراء القديم، حيث ذهبت سدى اعتراضاتنا وممانعاتنا على منح تراخيص جامعية جديدة. تخطت الحكومة اللبنانية يومها رأي أهل الشأن، أي نقباء المهن الحرة، ووافقت على منح التراخيص الجديدة، متذرعة بالدفاع عن حرية التعليم التي كفلها الدستور اللبناني. في تلك الحقبة، اكتفت المؤسسات الجامعية الخاصة بالاعتراض الشكلي، وغسل الايدي البنطية، (نسبة الى بيلاطس البنطي) وتقاسم قالب الحلوى. هكذا، شرَّعت الدولة اللبنانية إنشاء جزر جامعية طائفية مذهبية، وساهمت الى حدٍّ كبير في ازدياد التخمة العددية في صفوف أبناء المهن الحرة، وتقلّص فرص العمل، وتدني المستوى الاكاديمي، واستفحال الازمة الاقتصادية التي طالما حذّرنا منها.

يقول طوني ابي نجم في صحيفة «النهار» الصادرة في 24/12/2000:

«الجامعات الجديدة: أي معايير للترخيص؟ أي تقدير لسوق العمل؟ من يراقب حسن سير التعليم والمناهج وعملية التحديث. اذاً، لم يسأل أحد في السابق عن الرخص المعطاة، والتي وُزعت ضمن مبدأ 6 و 6 مكرر، أي في اطار التوزيع الطائفي بعيداً عما عداه من معايير». من جهتها تحذّر «الدولية للمعلومات» في عدد «النهار» الصادر في تاريخ 7/7/2002، من أنه أصبح هدف كل طائفة إنشاء مؤسستها الخاصة بعيداً عن المقاييس والمفاهيم العلمية. وتسأل: «هل يحتاج لبنان الى كل هذه الجامعات؟». وفي تاريخ 6/4/2004، تعنون «النهار» مرة بعد: «التعليم العالي ينذر الجامعات غير المرخصة بالتوقف عن التدريس تحت طائلة الملاحقة». ونحن سألنا في الماضي ونسأل اليوم المدير العام للتعليم العالي الدكتور أحمد الجمّال: «كم جامعة غير مرخّصة توقفت عن التدريس؟ كم مخالف للقوانين صدرت في حقه أحكام قضائية؟ من المسؤول عن هذه التفريخات الجامعية؟ هل صدور قانون جديد للتعليم العالي الخاص ساهم في الحدِّ من هذا الوباء، أم عمل على الحفاظ على «دكاكين» و«بوتيكات» التعليم العالي، وعلى «سوق الجامعات» وعلى «التوازن الطائفي الجامعي؟»

روزيت ابي فاضل تتحدث في عدد «النهار» الصادر بتاريخ 25/11/2009، عن تقصير الدولة في غياب سياسة وطنية للتعليم العالي الخاص. ومن حقنا أن نسأل عن هذه السياسة الوطنية التربوية الكارثية التي أوصلتنا الى شفير الهاوية، بعد أن وصل عدد الجامعات الى خمسين جامعة وفاق عدد الفروع الآلاف المنتشرة في جميع المحافظات اللبنانية. ويتحدث الاستاذ ابرهيم حيدر على صفحات «النهار» الصادرة في 26/8/2016 عن «عشرات الفروع الجغرافية لجامعات لبنانية، من بينها جامعة لديها أربعة عشر فرعاً». وتستمر هذه الفروع بمخالفاتها على الرغم من توجيه الانذارات الى اداراتها، مستفيدة من غطاء سياسي، استناداً الى اقوال حيدر.

يقول المثل الشائع: افتح مدرسة تقفل سجناً، أما في لبنان افتح جامعة تفتح ابواب البطالة على مصراعيها. هذا ما وصلنا اليه اليوم، وما حذرنا منه مراراً وتكراراً على مدى خمسة وعشرين عاماً، والحبل على الجرار. ونحن نبقى نتغنى بامجاد الماضي البعيد، نتغنى عن حق بجبيل واحيرام والابجدية الاولى، ولكننا نستمر بكتابة المستقبل بحبر الماضي. الجدير بالذكر اخيراً أن تصنيف «شنغهاي» الجامعي، لم يأتِ حتى على ذكر أي جامعة في لبنان، من ضمن 500 جامعة تحتل المراتب الاولى في العالم. علماً أن الاستاذ ابرهيم حيدر كتب في السابع من ايلول : ثلاث جامعات لبنانية تقدمت في تصنيف “كيو. إس”  لعام 2016-2017، إذ تبوأت الجامعة الاميركية المركز 228 واليسوعية المركز 491، واللبنانية الاميركية المركز 651 عالمياً. وفي المقابل، ثم يقول في عدد «النهار» الصادر في تاريخ التاسع من ايلول أنّ لبنان يحتل المركز الأخير عالمياً من ناحية تدني عدد ساعات التعليم الابتدائي والثانوي سنوياً. ونحن نؤيد وجهة نظر الاستاذ حيدر، إذ ليس ب 140 يوم تدريس في السنة، سنتمكن من غزوة الفكر، خصوصاً في العالم العربي.

اكثر من خمسة واربعين عاماً من عمري امضيتها في حقل التعليم العالي، في كلية طب الاسنان التابعة لجامعة القديس يوسف في بيروت. ساهمت في تنشئة أجيال وأجيال من مثقفي هذا البلد، شاركتهم طموحاتهم وخيباتهم، وشاطرتهم أحلامهم وكوابيسهم. واكبت صحيفة «النهار» مشكورة، مسيرة التعليم العالي الخاص منذ بداياتها، مع مختلف كبواتها وعثراتها، كما واكبناها معها، دون أي طائل أو جدوى. ولكن لبنان بقي على رغم ذلك، وحتى منتصف السبعينيات من القرن المنصرم يضخّ الفكر والابداع في محيطه، عبر حاملي الشهادات من أهل الاعمار والحقوق والمبضع. وهبّت من ثم العاصفة على وطن الخير. ولما انقشعت الغيوم الحالكة، خُيّل الى المواطن أنّ الايام العسيرة ولّت الى غير رجعة. ونسجوا الأحلام في مخيلاتهم، معتقدين أنّ الأمان يكون في غياب المدفع، متناسين أنّ الأمان هو الأمان الثقافي والمالي والاقتصادي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*