خطاب غوغائي يبعث أشباح الماضي: الإعلام التقليدي مضخماً موجة الذعر

 

خلال اليومين الماضيين، بلغ الجو المشحون الذروة. معركة داحس والغبراء اشتعلت على السوشال ميديا. همَّ سوريون ولبنانيون باستدعاء مخزونهم من الأفكار والصور النمطية والعنصرية عن بعضهم بعضاً، وراحوا يتقاذفونه حمماً على صفحاتهم. وإذا بهذه المعركة تتحوّل مرآة عن الحضيض الذي نقبع به. طائفية، ذكورية، شعبوية وسخرية مبتذلة أبطالها شعبان يحملان على ظهرهما قواسم حضارية وثقافية وتاريخية مشتركة. لكن من يريد سماع صوت العقل؟

زينب حاوي
الأخبار
18072017

لا نبالغ إن قلنا بأن ما يمرّ به لبنان اليوم، على خلفية أزمة اللجوء السوري، يعدّ من أخطر المراحل وأكثرها حساسية وحراجة. مرحلة لم يسبق أن مرّ بها هذا البلد، مع كمّ التحريض والتأليب على النازحين السوريين من جهة، تحت شعار «دعم الجيش»، والتضامن مع النازحين، والفصل بينهم وبين الإرهابيين من جهة أخرى.

القصة بدأت أواخر الشهر الماضي، مع دخول الجيش إلى منطقة عرسال، وتفتيشه عدداً من مخيمات اللاجئين السوريين هناك، وإصابة عدد من أفراده نتيجة تفجير انتحاريين لأنفسهم هناك… تفاعلت الحادثة أكثر مع وفاة أربعة موقوفين سوريين اعتقلهم الجيش من هناك، وقال إنّ سبب وفاتهم تعود إلى أسباب صحية، فيما روّج الإعلام المقرّب من المعارضة السورية، بأنّ وفاة هؤلاء كانت نتيجة التعذيب الذي تعرضوا له. وجاءت صفحة «اتحاد الشعب السوري في لبنان» لتزيد الطين بلة. علماً أنّه ألقي القبض أمس على صاحبها، وهو شاب في مقتبل العمر (24 عاماً)، يقطن في مخيم «عين الحلوة» (جنوب لبنان)، وله خبرة في مجال الإنترنت.
وكانت الصفحة الفايسبوكية «الطارئة» (أنشئت يوم 26 نيسان/أبريل) التي تجمع حوالى 14 ألف متابع/ة، قد دعت، إلى التظاهر في ساحة «سمير قصير» (وسط بيروت) اليوم الثلاثاء تحت شعار «كلّنا ضد العنصرية». وهنا انطلقت الحملات الإعلامية والافتراضية التي راحت تروّج بأن هذه التظاهرة (إن صحت تسميتها هكذا)، ستهتف ضد الجيش اللبناني… ووقعت الواقعة! هبّت جماهير مضادة، ودعت إلى التظاهر في المكان والزمان عينه، دعماً للجيش. في كل هذه المشهدية التي تقف وراءها حتماً أوركسترا واحدة، تدير هذه الجوقة التحريضية، خلقت أجواء مشحونة عالية، وصلت إلى حدّ كبير من بث الكراهية. طبعاً، أسهم بعض الإعلام اللبناني، وصفحات المشاهير على السوشال ميديا، وجميع المنصات الافتراضية والاتصالية (رسائل الواتساب على سبيل المثال) في رفع منسوب هذا التحريض المتبادل. بدا أن قراراً متخذاً مسبقاً يهدف إلى خلق حالة من الفوضى والهستيريا، والكراهية الشديدة على النازحين، الأمر الذي كان موجوداً سابقاً في جعبة الإعلام اللبناني، لكن ليس بهذا القدر من التجييش والتحريض.
سبق هذه الأجواء، خطاب موحّد أيضاً في الإعلام اللبناني، يدعو إلى عودة فورية للنازحين إلى سوريا، وسط انقسام سياسي واضح بين الأفرقاء المتصارعين، لا سيما المناهضين للحكومة السورية، الذين يرفضون التعامل معها، والتفاوض على هذا الملف الأساسي. وقد أفادت من هذه الأجواء جوقات التحريض على النازحين، وفعّل هذا المطلب بشكل أكبر. لعّل الأخطر بمكان، في ما يخص بعض الإعلام اللبناني، استحضاره خطاب الحرب الأهلية، وتعمّد تشبيه أوضاع اللاجئين السوريين اليوم، بما كان عليه الفلسطينيون في لبنان عشية اندلاع الحرب في منتصف السبعينيات. خطاب خطر جداً، يروّج له عبر هذه المنصات، ويعيد إلى الذاكرة اللبنانية، هذه الأجواء السوداء، التي ما زالت تطبع علاقة بعض اللبنانيين باللاجئين الفلسطينيين، ويتم اليوم إسقاطها على عامل اللجوء السوري.

ومن أبرز هذه المنصات، قناة “إم تي في”  منذ بداية الأزمة السورية، لا تنفك قناة المرّ تصوّب على اللاجئين السوريين، وتحرضّ عليهم بطريقة ممنهجة. آخر فصولها، تقرير لجويس عقيقي، تتعمد فيه إقحام التقاطع بين الملفين الفلسطيني والسوري، فتقول: «أوجه شبه بين المخيمات الفلسطينية والسورية، يتخفون من تكرار التجربة الفلسطينية مع السوريين». في هذا التقرير الذي بث أول من أمس، يخرج علينا النائب آلان عون ليحذّر اللاجئين: «ما يطلعو ع اكتافنا».
إلى جانب قناة المرّ، برزت أيضاً (عن سذاجة)، محطة “أو تي في” ، التي لطالما رفعت لواء الدفاع عن الجيش (لا يحتاج طبعاً إلى حملات دفاع). كما زميلتها، ربطت القناة الملف السوري بالفلسطيني، كما ورد في مقدمة أخبارها المسائية أول من أمس: «التاريخ يعيد نفسه من اللاجئين الفلسطينيين الذين تحوّلوا إلى مسلحين وجهتهم جونيه وعيون السيمان وزغرتا ودير عشاش وشكا (…) وتل الزعتر». وفي فقرة «جريدة اليوم» الصباحية، أعاد إلينا عبدو الحلو مصطلحاً كنا اعتقدنا أننا نسيناه. في معرض ترحيبه بضيفته جمانة شقيقة الشهيد في الجيش اللبناني جورج بو صعب، قال إنّ «الوقفة مع الجيش اليوم» ستكون «ضد الغريب على أرضنا». في هذه الفقرة أيضاً، كانت مداخلة لما أطلق على نفسه «رئيس جمعية دعم لبنان القوي»، فؤاد شهاب، الذي قال أيضاً إنّ «وجود أكثر من 40% من النازحين بات يشكل خطراً وجودياً» أكثر من «الخطر الاجتماعي».
إذاً، أوركسترا موحدة أفلتت أبواقها في الأيام الأخيرة، وأفرزت خطاباً مشحوناً بكمّ من التحريض والكراهية، وبث الشائعات، بغية توليد شحنات سلبية، تدفع البلاد الى حافة الهاوية، والى استجداء حرب أهلية، أو صراع سوري – لبناني. وليس استحضار سيناريو 1957 إلا جزءاً من هذه الحرب الإعلامية الشعواء، التي تديرها غرف سوداء، ويردد من خلفها ويساعد في توسيع رقعتها بعض الإعلام اللبناني عن دراية أو سذاجة. نخرج اليوم، بجزء لا يستهان به من الشعب اللبناني، وقد بات مقتنعاً بأن اللاجئين يحرّضون على الجيش، ووجب محاربتهم وتصفيتهم، وجزء آخر (ضئيل ربما)، ما زال متمسكاً بصوت العقل، والإنسانية، وإعادة تثبيت خطاب وحدوي يعزز أواصر الشعبين، ولا يزيد الهوة اتساعاً ويشعل بركاناً يقذف حمّمه بشكل عشوائي أينما كان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*