خريف “النهار”

محمود الزيباوي|الأحد14/10/2018

Almodon.com

  • تويني وفريحة 1974
    تويني وفريحة 1974

بالتزامن مع إعلان “دار الصياد” عن إقفال أبوابها، أصدرت جريدة “النهار” عددها يوم الخميس 11 أكتوبر/ تشرين أول بصفحات بيضاء، وظهرت الصفحة الخاصة بموقع الجريدة على الإنترنت بيضاء كذلك. ربط بعض المراقبين بين الحدثين، ورأوا أن مؤسسة “النهار” تطلق صرختها وهي تجاهد للبقاء، بعد أن أطلقت “دار الصياد” صرخة الاحتضار الأخير.

 

  • تبدلت أحوال النهار بسرعة بعد رحيل غسان تويني في صيف 2012.


في عام 1973، انبثقت عن “دار الصياد” مؤسسة جديدة حملت اسم “مؤسسة سعيد فريحة للخدمات العلمية والاجتماعية”، وذلك بهدف تقديم منح التخصص وتقديم المساعدات المالية للعاملين في حقل الصحافة، و”تقديم الجوائز “لأهم انتاج أو بحث أو دراسة أو نشاط يخدم المصلحة العامة”.

وفي العام التالي، قدمت هذه المؤسسة أولى جوائزها الست، ومُنحت الجائزة الأولى لمؤسسة “النهار” عن كتابها “جبران تويني بعد 25 سنة”، والثانية لزياد الرحباني عن مسرحية “نزل السرور”، والثالثة لتيتو هاورد مخرج فيلم “القنيطرة: موت مدينة”، والرابعة لمحمد أبو مرعي عن كتابه “الصحافة اللبنانية وقانون المطبوعات”، والخامسة للصحافية هدى الحسيني عن نشاطها خلال العام، والسادسة للشاعر إبراهيم شرارة عن قصيدته “جنوبي على الخريطة”.يستعيد كتاب “جبران تويني بعد 25 سنة” سيرة مؤسس النهار الأوّل في النصف الأول من القرن العشرين. كان جبران صبيا في الحادية عشرة من عمره يبيع الصحف في ساحة البرج، وسعى والده بائع حلو المعلل اندراوس إلى إدخاله مدرسة “الثلاثة أقمار” ليدرس فيها مجانا، واستجاب مدير المدرسة لطلب هذا البائع الفقير الحال، فبات جبران يدرس ويعمل في بيع الصحف ليكسب قوته. كانت عائلة تويني واحدة من كبرى عائلات بيروت السبع الغنية، وحين جاء أحدهم وطلب من بعض أثريائها مساعدة نسيبهم الصغير في إكمال دراسته، رفضوا وقالوا إن هذا التويني المولود من بيت فقير في شارع القيراط بالأشرفية ليس من أقاربهم. هكذا تلقّى جبران صبيا تعليمه في مدرسة “الأقمار الثلاثة”، وحين عاقبه معلم المدرسة في يوم من الأيام بالركوع أمام التلاميذ، رفض بعناد، وتبيّن أن رفضه كان بسبب خوفه من أن يرى زملاؤه حذاءه المثقوب وهو راكع. في عام 1907، عمل الفتى كـ”صفّيف أحرف” في “المطبعة السورية”، ثم انتقل إلى باريس ليزاول المهنة نفسها في “جريدة نهضة العرب”.

غسان تويني النهار 1949

في هذه الفترة المبكرة من حياته، تعلم جبران الفرنسية، وتعرّف على التحركات التحررية العربية، فآمن بها، ورفع لواءها بحماسة بالغة، وانتقل في عام 1911 إلى مصر حيث عمل في “المصير” ثم في “الدلتا قبل أن يشغل منصب مراسل “الأهرام” في المنصورة عام 1920، وعاد إلى موطنه بعد هذه المحطة المصرية الطويلة إثر إعلان دولة لبنان الكبير، وكتب في مجلة “مينرفا”، ثم انتقل إلى “الحرية”، وعمل في هذه المجلة “الوطنية” التي اشتهرت بمعاركها الطاحنة مع “البشير”، مجلة اليسوعيين المناصرة لسياسة الانتداب الفرنسي.

امتهن جبران الصحافة، وشارك في تأسيس “الأحرار” سنة 1924، وكانت “الأحرار” أول صحيفة تأسيسية لشركة مساهمة في تاريخ الصحافة اللبنانية. وبعد بضع سنوات، استقّل وأسّس “النهار”، وولد العدد الأول من الجريدة الجديدة في 4 آب/أغسطس 1933. نجحت الصحيفة ولمع اسمها، ومعها كبر اسم جبران إلى أن وافته المنية فجأة عام 1947 إثر إصابته بنزف في الدماغ في الأرجنتين.عند وفاة والده، كان غسان تويني طالبا في جامعة هارفرد، وكان يصبو إلى أن يصبح أستاذا جامعيا، كما كان يحلم بتأسيس مجلة أدبية، فاضطرّ إلى العدول عن رغبته، وعاد إلى وطنه ليخلف والده في إدارة “النهار”، ولمع في هذا المنصب بسرعة، وعُرف بجرأته في القول والعمل، ودخل السجن مرارا بسبب مقالاته. اعتقل الصحافي الشاب لأوّل مرة في تموز/يوليو 1949، إثر إعدام زعيم الحزب القومي الاجتماعي أنطون سعادة. كتب التويني مقالاً بعنوان “سعادة المجرم الشهيد” اعتبرته الشرطة العسكرية موجّها ضدّها، فأمرت بسجنه، وقضت المحكمة العسكرية بحبسه ثلاثة أشهر، فردّ رئيس تحرير “النهار”، وقال “المستقبل للشباب لا للذين يريدون ترويع الأحرار”. وتعرّض للاعتقال ثانية حين كتب في شباط/فبراير 1950 افتتاحية نارية إثر إعدام سبعة متهمين في “الثورة القومية”، ومثل أمام المحكمة، وانقضت القضية بتبرئته بعد فترة. إلا أنه دخل في مواجهة جديدة مع السلطة العسكرية التي اتّهمته بـ”قدح وتحقير فخامة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء”، فردّ بمقال بعنوان “شمسهم أذنت بالمغيب”، وحوكم غيابيا، وصدر الحكم بسجنه شهرين، فكتب مدافعا عن قلمه: “ليس هنا مجال الدخول في مساجلة فلسفية حول معاني الحرية ومفاهيم الحكم. ولكني أقول إنني استوحي في ما أكتب حرية أعتبرها حقاً من حقوقي، ذلك لعلمي أنني لم أقصد الخروج على الشارع. يقول حضرة النائب العام إنني أثير زوابع إثر زوابع. إنّ هذا القلم لست أنا الذي يكتب به. الشعب الذي يقرأ النهار هو الذي يكتب به. وإنّ المداد، يا حضرة النائب العام، ليس رمالا. المداد من النجوم التي تريد أن تضيء هذا البلد. لقد فعلت ذلك ليعلم الناس أنّ صحافياً قام من بين هذا الشعب وحقّر من يجب أن يحقّر في سبيل كرامة الدولة”.

استمرّ غسان تويني في إثارة الزوابع عند خروجه من السجن، فتحرّكت النيابة العامة واعتقلته مرة أخرى، وذلك في يوم بلوغه الخامسة والعشرين من عمره، واحتفلت “النهار” على طريقتها بهذه المناسبة، وقالت إن مديرها تلقّى “تذكارا لدخوله السجن مرارا متتالية، علبة خشب صُنعت في سجن الرمل، نُقش عليها تواريخ المدّات التي قضاها المحتفى به في السجن”. خرج الأسير من سجنه في شباط/فبراير، وأنتخب نائبا في نيسان/ابريل، غير أن دخوله مجلس النواب لم يحل دون دخوله في مواجهة أخرى مع السلطة. بلغت هذه المواجهة ذروتها في نهاية أيار/مايو 1952، وانتهت مع نهاية عهد بشارة الخوري. كتب غسان تويني يومها: “إن المعركة التي نخوضها اليوم، وأبت الصحافة إلا أن تخوضها، ليست معركة حزبية، ولا هي معركة شخص أو معركة جريدة دون سواها. إنها معركة شعب يتألّم، وقادة يتحفزون”.

حافظ غسان تويني على الوديعة التي تركها والده، وأنشأ في 1958 “التعاونية الثقافية” التي تفرّع عنها ما عُرف بـ”مجموعة شركات النهار”، وتم شراء قطعة أرض في شارع الحمراء لتشييد مبنى لدار التعاونية يضمّ المطابع ومكاتب الشركات التابعة لها. في 4 آب/أغسطس 1968، وفي ذكرى مرور 35 سنة على صدور العدد الأول من صحيفة “النهار”، نشرت مجلة “الحسناء” رسما من توقيع بيار صادق احتل صفحتين كاملتين من صفحاتها. استعاد الرسام نداء البابا بولس السادس: “لا لتحديد النسل”، وصوّر ديكا يجري وراء دجاجة في حضور أربعة عشر فرخا تمثل فروع مؤسسة “النهار”، وهي تباعا: “دار النهار للنشر”، “التعاونية الصحفية”، “شركة مطابع التعاونية الصحفية”، “الشركة اللبنانية لتوزيع المطبوعات”، “العلاقات العامة”، “ملحق النهار”، “الملحق الاقتصادي”، “مؤسسة الأبحاث والمعلومات”، “لو جور”، “الحسناء”، “المطبوعات المصورة”، “الملحق السبقي”، “ملف النهار”، “أخبار النهار”.

سمير عطاالله – 1971

في مطلع شباط/فبراير 1971، ألقى سمير عطا الله في “ندوة الثلاثاء” محاضرة بعنوان “النهار من الداخل” استعاد فيها مشواره مع الصحيفة التي بدأ في العمل فيها عام 1960. تساءل المحاضر: “ماذا تغيّر في هذه اللمحة من السنين؟ أو من تغيّر فيها؟. وأضاف: “انني إذ أتطلّع عشر سنين إلى الوراء، اكتشفت ان “النهار” مثل شجرة السرو، لا تعترف سوى بالربيع. لا تسقط منها ورقة الا رغما عنها. والأغصان فيها تنمو وتزداد في الشمس وفي الثلج وفي العواصف. من خمس غرف في سوق الطويلة إلى تسع طبقات في شارع الحمراء، ومن توزيع محدود إلى سبعين ألف نسخة بعض الأحيان، ومن عشرة محررين إلى ما يزيد على الستين محررا، والمحرر الذي كان يتقاضى ثلاثمئة ليرة أصبح يتقاضى الفا وخمسمئة، ومن موازنة إعلانية بعشرات الألوف إلى موازنة بأربعة ملايين، ومن حاسدين يسألون ما سبب نجاح “النهار” إلى حاسدين يقولون صراحة وعلنا ان “النهار” لا يجوز أن تنجح إلى هذا المدى”.

توقف سمير عطاالله عند “العنصر البشري” في النهار، وتحدّث مطوّلا عن أبرز أعلامها، ثم تحدث عن سياستها، وقال: “خُيّل إلى البعض ان لدينا سياسة مرسومة تقضي بأن نملأ الجريدة تيارات متناقضة، لكي تظهر مظهر الصحيفة الحرة، لكن الحرية في “النهار” جوهر وليست مظهرا. و”النهار” في النهاية صورة حقيقية للأفكار وأحيانا للتيارات التي تعصف بمحرريها، وهي تراوح بين وسط اليمين وطرف اليسار”. تابع المحاضر الكلام، وقال مخاطبا الجمهور في الختام: “هذه هي “النهار”. كل ما فيها هو “النهار”، وكل من فيها يشعر انها له وحده. وكلّما صاح الديك يكتشف أهل “النهار” انهم يصنعونها لغيرهم، وان مالكها الحقيقي في النهاية، أيها السادة، هو أنتم”.

تلك هي صورة “النهار” في عام 1971، وهي الصورة التي ثبتت في الأذهان في زمن الحرب الأهلية الطويلة، وفي السنوات التي أعقبتها. ظلّت “النهار” مثل شجرة السرو، “لا تعترف سوى بالربيع”، كما وصفها سمير عطا الله، الا ان أحوالها تبدلت بسرعة بعد رحيل غسان تويني في صيف 2012. فقدت شجرة السرو أوراقها وذبلت خلال بضع سنوات، وهي اليوم صحيفة “هزيلة” تعيش خريفها، ويُصعب القول بأن ذبولها جاء نتيجة للأزمة التي تعيشها الصحافة الورقية اليوم فحسب.

غسان تويني وسعيد فريحة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*