“خبيئة” جديدة في الأقصر… قبور ومومياءات وأسرار

أسامة فاروق|الأحد10/09/2017

  • أسرار مصر القديمة لا تنتهي
مئة عام لم تكن كافية لإقناع أهالي القرنة بإخلاء منازلهم المقامة فوق مقابر الأشراف الفرعونية في البر الغربي بجوار وادي الملوك والملكات في الأقصر، ونقلهم إلى مكان جديد بعيد عن المنطقة الأثرية.

جهود كثيرة بذلت، لكن أي إغراء يقاوم لذة النوم فوق كنز. فمنذ أن تعثرت شاة أحمد عبدالرسول ببئر عميقة في البر الغربي، واكتشافه لـ “خبيئة الأقصر”- التي نهبها هو وعائلته لتصبح العائلة الأشهر في هذا المجال، ويخلدها شادي عبد السلام في فيلمه الشهير “المومياء”- عرف العالم أن أسرارا خطيرة لا تزال في قلب جبال القرنة وأنها لم تبح بها كلها بعد.

ما يقرب من ألف مقبرة فرعونية ما بين مقابر للأشراف وأخرى للعمال مدفونة تحت 800 منزل من منازل القرنة. قبل ثورة 25 يناير مباشرة، بدأ العمل لإخلاء المنطقة، وتسليم الأهالي بيوتا جديدة في مدينة القرنة الجديدة، لتكون هذه العملية هي ثاني أكبر عملية تهجير في مصر بعد تهجير سكان النوبة في أسوان، حيث كان من المقرر نقل 3200 أسرة من المقيمين فوق المقابر الأثرية من أهالي أربعة نجوع هي “نجع الغابات، نجع الحروبات، نجع الحساسنة، نجع العطيات” إلى مدينة القرنة الجديدة، لكن قامت الثورة وتوقف كل شيء.

الآن عادت القرنة لتكشف جزءا آخر من خبيئتها، حيث أعلن د. خالد العناني وزير الآثار المصري، الكشف عن محتويات مقبرة “أمنمحات” أو “صانع الذهب للإله أمون”، أثناء قيام البعثة الأثرية المصرية في أعمال التنقيب الأثري في القرنة وبالتحديد في منطقة ذراع أبو النجا في البر الغربي. كما كشفت البعثة أيضا عن بئر للدفن في الفناء الخارجي عثر في داخله على ثلاث مومياوات لسيدة وابنيها وعدد من الأواني الفخارية.

وبحسب مصطفى وزيري، مدير عام أثار الأقصر، تعود المقبرة المكتشفة لعصر الأسرة الثامنة عشر (الدولة الحديثة)، وتتكون من مدخل يؤدي إلى حجرة شبه مربعة تنتهي بلوحة عليها تحتوي على اسم صاحب المقبرة وفيها قاعدة مبنية بالطوب، عليها تمثال مزدوج لصاحب المقبرة وزوجته، وبينهما بقايا تمثال صغير لابنهما المدعو “نب نفر”.

وفقا لوصف مدير أثار الأقصر فعلى يمين الداخل يوجد البئر الرئيسي للمقبرة، ومن المرجح أن يكون حفر لصاحب المقبرة وزوجته، ويبلغ عمقه حوالي 7 أمتار ويؤدي إلى فتحة بها عدة “دفنات” وعثر بداخلها على مجموعة من التوابيت والمومياوات والأقنعة الخشبية وبعض التماثيل صغيرة الحجم.

وعلى يسار الداخل للمقبرة يوجد فتحة تؤدي إلى بئر عثر في داخله على مجموعة من التوابيت تعود لعصر الأسرتين 21-22 بعضها تعرض للحرق عمدا في العصور المتأخرة.

وأكد وزيري أن أهمية هذه المقبرة، تعود إلى ما عُثر عليه داخلها من أجزاء للوحة تقديم القرابين من الحجر الجيري لصاحب المقبرة، وتمثال مزدوج من الحجر الرملي لشخص يدعى “مح” وكان يعمل تاجراً في معبد تحتمس الثالث، وبقايا لأربعة توابيت خشبية مزينة بكتابات هيروغليفية ومناظر لآلهة مختلفة ترجع لعصر الأسرات 21، 22، بالإضافة إلى 150 تمثال أوشابتي مصنوعة من الفيانس والخشب والطين المحروق والحجر الجيري، بعضهم يحمل اسم “باخنسو” و”عنخ خونسو”.

كما كشفت البعثة عن حوالي 50 ختماً جنائزياً من بينها 40 ختما تدل علي و جود مقابر لأربعة أفراد لم تكتشف بعد في المنطقة وهم الكاتب “ماعتي”، وشخص يدعى “بنجي”، وشخص يدعى “رورو” والوزير “بتاح مس”.
كما عثرت أيضا على عدد من الأواني الفخارية، وتميمتين من الفيانس عليها مناظر تقديم القرابين، ومسندين للرأس و7 أوستراكا من الفخار والحجر الجيري، وبعض نموذج لتابوت من الفخار عليه كتابات بالمداد الأسود.
وعن البئر المكتشف في الفناء الخارجي قال محمد بعبيش، أحد أعضاء البعثة المصرية العاملة في الموقع، إن التابوتين اللذين عثر عليهما داخله صنعاً من خشب الأرز على شكل مستطيل. يوجد داخل أحدهما  مومياء لسيدة، أما الآخر ففيه مومياوتان لطفلين، الأمر الذي يرجح أن هذا البئر بمثابة “دفنة” عائلية.

كما عثر على مسند الرأس الخاص بالسيدة ومجموعة من الأواني الفخارية.

شيرين أحمد شوقي، عضو البعثة والمتخصصة في دراسة العظام الآدمية، قالت إنه من خلال دراسة مومياء السيدة تبين أنها في العقد الخامس من العمر وتعاني من بعض أمراض العظام وتشوهات في الفك.

أما عن الدفنتين الأخرتين، فقالت شوقي إن أحداهما في حالة جيدة من الحفظ وتخص شاباً في العقد الثالث من العمر وتبين من خلال دراستها أنه كان يعاني هو الآخر من بعض التشوهات، أما المومياء الأخرى فتشير الدراسات الأولية أنها ربما أضيفت إلى التابوت في وقت لاحق حيث أن التابوت يحتوي على مسند رأس واحد، وهي محنطة بطريقة غير جيدة حيث تُركت عظامه عارية وهي تخص شابا في العقد الثاني من العمر، لافتة إلى أنه لم ينته العمل في المقبرة بعد.

الكشف يؤكد أن القرنة لا تزال –رغم النهب المستمر- عامرة، وأنها لم تكشف عن كل أسرارها بعد، فعائلة عبد الرسول بالتأكيد لم تكن الأخيرة، بل ربما لم تكن الأولى التي تبدأ عملية النهب في هذه المنطقة، فتاريخ استنزاف مقابر القرنة لا يمكن تحديده بدقة، خاصة وأنه لا يوجد تاريخ محدد لبدء نزوح الأهالي للسكن في منطقة الجبل، ولكن بدأ ظهور تجمعات كبيرة للأهالي مع بداية الاكتشافات الأثرية في المنطقة عام 1922، ويرجح أن تكون بداية السكن في هذه المنطقة منذ عام 1850 من السكان الهاربين من ظلم الاستعمار الفرنسي أيام الحملة الفرنسية، حيث كانوا يلجأون للاختباء في المناطق الجبلية التي اتخذها المصريون القدماء مقابر لهم، فهي مخبأة داخل الجبل كما أنها تعتبر مساكن مثالية بالنسبة إلى الفقراء، فهي دافئة شتاء ومعتدلة في الصيف، بالإضافة إلى وجود النيل بالقرب منها كما أنها محمية تماما من مياه الفيضان والأمطار.

 ولكن ربما لا يكون التاريخ السابق دقيقا خاصة وأن بلزوني أحد أقدم المستكشفين الأجانب في مصر،  قد كتب عنهم في زيارته الشهيرة ما بين عامي 1815 و 1819 حيث قال: “أهل القرنة يفوقون غيرهم من العرب في المكر والخديعة، وهم الأكثر تواكلا بين كل أهل مصر”، بما يعنى أن هناك من سكن هذه القرية قبل هذا التاريخ، ويكمل بلزوني وصفه بأن أهل القرنة كانوا يفاخرون بأنهم آخر من استطاع الفرنسيون أن يفرضوا سيطرتهم عليهم وعندما خضعوا لسلطة الفرنسيين أجبروهم على أن يدفعوا للرجال أي مبلغ يطلبونه مقابل العمل لصالحهم، ويقول بلزوني أيضا أن أهل هذه القرية “تعرضوا لأشد أنواع العقاب وكانت الحكومات المصرية المتعاقبة تطاردهم كالحيوانات البرية، تتميز مواقعهم ومخابئهم بأنها منيعة لا يصل إليها أحد”.
أما عن تلك المنازل أو المقابر بمعنى أصح، فيقول “أصدقكم القول إنه من المستحيل أن أصف بما يكفي لنقل أدنى فكرة عن تلك المساكن الموجودة تحت الأرض ومن يسكنون فيها، لا توجد في أي بقعة من بقاع العالم مثل هذه المقابر أو الأضرحة، فلا توجد أي مناجم أو أماكن للتنقيب تقارن بتلك الأماكن الرائعة بحق، ولا يمكن أن أصف هذه المقابر وصفا دقيقا من الداخل، نظرا لصعوبة دخول تلك الفتحات”.. وفي سرده يكشف بلزوني عن كم التدمير الذي أحدثه هو شخصياً، حين أخذ يتخبط في ظلام هذه المقابر الرائعة، وكيف أنه حطم عشرات المومياوات الملكية تحت أقدامه، كما كان لبعض أهالي القرنة شهرتهم في سرقة الآثار وتهريبها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*