خبراء يقيّمون الموازنة دستورياً واقتصادياً: قطع الحساب مفقود، الإصلاحات غائبة والعجز يرتفع

 

مجد بو مجاهد
النهار
30032018

مجلس النواب (النهار).

تجتمع مقاربات الخبراء على تقييم مشروع الموازنة. لا حقيقتان في الاقتصاد وكذلك في الدستور. العيوب جمّة: تأخّر في اقرار الموازنة بعد انقضاء الربع الأول من عام 2018، قطع الحساب مفقود، الاصلاحات البنيوية غائبة، وتوقعات بارتفاع الدين العام ليبلغ نسبة 51% من الناتج المحلي. وتفتقر موازنة 2018، يقول الخبراء، الى أي بعد اقتصادي أو اجتماعي تنموي، ولن تساهم في الحد من الفقر والبطالة وتأمين الكهرباء (…ايه في أمل). ولا يمكن في المحصلة اطلاق عبارة “موازنة” على ما أقرً في الأمس بالمعنى التقني، بل انها جردة حسابات مستعجلة، و”هلمّوا إلى سيدر”، يجمع الخبراء أيضاً. وتقتصر الايجابية الوحيدة في اقرار الموازنة على “اقرار الموازنة” – عجيبة في لبنان – رغم أنها واجبٌ سنوي مفروض. وتكمن الايجابية الثانية في غياب الإجراءات الضرائبية.

سعادة: لا قطع حساب ولا إصلاحات

تدرس مستشارة النائب سامي الجميل للشؤون القانونية المحامية لارا سعادة ملف الموازنة بتعمّق. وتقيّم جردة الموازنة وفق البعدين الدستوري والاقتصادي. وتقول لـ”النهار” إن “الموازنة أقرّت بالطريقة نفسها التي اقرت فيها التسويات الضريبية، من دون الأخذ في الاعتبار التعثّر الاقتصادي. وكان يفترض عدم التهرب الضريبي. ويخالف نص الموازنة المادتين 32 و82 من الدستور، المتعلٌّقتين بالمهل الدستورية. فالموازنة لم تقرّ في وقتها الصحيح، ولم تنجز كواجب دستوري بل لاستدانة المزيد من الأموال في مؤتمر سيدر بدلاً من اتخاذ تدابير لتجنب الافلاس. وصيغت جردة الموازنة من دون اجراء قطع حساب عن سنة 2017. ولم يتم التطرق الى قطع الحساب في أي مادة في القانون، ما يعتبر مخالفة دستورية”. وكان لا بد أن تحاكي الموازنة “قضايا البطالة والفقر وتضع خطة لتأمين فرص عمل والحد من الدين العام. لكن تم الاستعاضة عن الخطة بجردة أرقام مع زيادة الإنفاق مقارنة بموازنة العام المنصرم بقيمة 4.7 مليارات دولار رغم الوعود باصلاحات للحد من الانفاق والهدر والنفقات والجمعيات الوهمية والايجارات الحكومية. ولم تحسب قيمة عجز كهرباء لبنان في حسابات الموازنة، بل صنفت سلفة خزينة بغية عدم تظهير حجم العجز الذي وصل الى 6.1 مليارات دولار. أتى ذلك نتيجة تحذير من “سيدر” بضرورة ألا يرتفع العجز هذه السنة تبريراً للقروض المصروفة، وتجنباً لزيادة نسبة الدين العام في لبنان، ما يؤدي الى انهيارٍ مالي واقتصادي”. ولا بد ان يعي المجتمع الدولي إن “ما يحصل اشبه بخديعة. ويتواصل حزب الكتائب لهذه الغاية مع السفراء المشاركين في مؤتمر سيدر، بهدف فرض شروط تربط الاقراض بتحقيق سلسلة من الاصلاحات المتعلقة بالشفافية وتخفيض فائدة الدين العام في غضون السنوات المقبلة، وتالياً صرف الأموال بشفافية. ولا بد على الأقل المطالبة بإجراء قطع الحساب”.

وزني: مخالفة دستورية وارتفاع العجز وخدمة الدين

تحتاج لجنة المال والموازنة الى ما يقارب الشهرين لإقرار الموازنة. أما اقرارها في غضون 48 ساعة فعملية استثنائية مستعجلة سببها مؤتمر سيدر. وفي مضمون الموازنة، تستغرق البنود الضرائبية ومشاريع قوانين البرامج والاصلاحات البنيوية الأساسية، وقتاً للنقاش، وهي جميعها غائبة في جردة موازنة 2018. موازنة تفتقد إلى الرؤية الاقتصادية والاجتماعية. وهي موازنة حسابية وأرقام. والاصلاحات المتضمنة متواضعة. وتنص المادة 87 من الدستور على ضرورة اجراء قطع حساب للموازنة، وهي تقرّ للسنة الثانية توالياً من دون قطع حساب، ما يعتبر مخالفةً قانونية ودستورية. وتسجل الأرقام عجزاً مرتفعاً. فقد أعلن وزير المالية بوضوح أن العجز في مؤسسة كهرباء لبنان سيفوق 2100 مليار ليرة. وأكد بعض النواب أن الفوائد سترتفع في سنة 2018، ما ينعكس ارتفاعاً في خدمة الدين، وما يشير الى تسجيل موازنة 2018 عجزاً مرتفعاً قد يصل الى 8000 مليار ليرة، ويقارب الدين العام في لبنان 85.5 مليار دولار مع نهاية العام 2018. وتبلغ نسبته 51% من الناتج المحلي. ويتحفظ وزني من تقييم الموازنة، في ظلّ غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والاصلاحات البنيوية. وتكمن الايجابية الوحيدة في غياب الإجراءات الضريبية.

يشوعي: غياب الدور الاقتصادي – الاجتماعي التنموي

لا تضطلع موازنة 2018 بأي دور اقتصادي أو اجتماعي أو تنموي، وفق الخبير الاقتصادي الدكتور ايلي يشوعي. ويقول لـ”النهار” إن “دور الموازنات اقتصادي واجتماعي أولاً وأخيراً. ويسقط ادخال الحسابات السياسية في الموازنات العامة دورها وأهدافها وأهميتها. ويكمن دور الموازنة الاقتصادي من خلال الانفاق الرسمي على تسهيل عملية الانتاج (تأمين البنى التحتية والماء والكهرباء والمستلزمات العصرية للانتاج المتطور مثلاً). ويكمن الدور الاجتماعي في التنمية انطلاقاً من 4 مهمات أساسية: محاربة الفقر والبطالة والمرض والأمية. ويتمتع حساب الضرائب بفلسفة خاصة. ويكمن دوره في تحفيز النمو الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية وتأمين واردات مالية للخزينة والموازنة بدلاً من الاحتكام الى حسابات دكنجية. وفي المحصلة، يستنتج يشوعي ان “موازنة 2018 لا تساهم كما سابقاتها في اي دور اقتصادي او اجتماعي”.

حمدان: تدبير أحوال مشكوك بنتائجه

“لن يُصلح العطّار ما أفسده الدهر”، عبارة يختصر بها الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان وجهة نظره. ويقول لـ”النهار” إن “حجم الاصلاحات المطلوبة على صعيدي الانفاق العام والإيرادات العامة أعمق بكثير مما يقدمه راهناً طاقم سياسي متشظٍّ كان ولا يزال يتحمل القسم الأكبر من المسؤولية عما آلت اليه أزمات البلد المتراكمة على غير صعيد. كان لا بد أن تتناول الاصلاحات قضايا أساسية، ككلفة الأجور وخدماتها وبنيتها، وحسم الإنفاق على الجزء الملتبس من مزاريبه على الجمعيات الوهمية ووزارات الدولة. ولا بد من إعادة هيكلية بنية الأجور والوظائف في القطاع العام بعد الحصول على السلسلة. وصار متوسط الأجور في القطاع العام أعلى منه في القطاع الخاص، مع فارق إنتاجية العمل الأعلى والأهم في القطاع الخاص من العام، بحسب تقرير البنك الدولي. ويحكم المنطق نفسه في باب الإيرادات من خلال التركيز على الضرائب والرسوم غير المباشرة”. حتى إن الجزء الإصلاحي البسيط الذي ظهر في موازنة العام 2017 عبر إدخال فكرة الضريبة على الربح العقاري، وطريقة احتساب الضريبة على أرباح المصارف من خلال التوظيفات في سندات الخزينة، “يخلو في موازنة 2018 من أي بعد تصاعدي، رغم إمكان اعتماد شطور في الضريبة على الفوائد وعلى التحسين العقاري وتخفيف العبء الضريبي على صغار الملّاك”.

حبيقة: الجدية مفقودة رغم الإيجابية

“لا يمكن اعتبارها موازنةً بالمعني التقني بعد انقضاء الربع الأول من السنة”، وفق الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة. ويقول لـ”النهار” انها “مجرّد حسابات. قطع الحساب مفقود، ما يسقط عن الموازنة صفة الجدية. ولكن، رغم ان الموازنة سُلقت استعجالاً لمؤتمر سيدر، إلا أنها تعتبر خطوة إيجابية مقارنةً بالسنوات المنصرمة”. وتكمن المشكلة الاساسية في “الدين العام المرتفع وقيمة الأجور، اذ يبلغ حجم الوظائف في الدولة 250 ألفاً. ولا بد من أفكار بناءة لتخفيف حجم القطاع العام وتقليص مستوى الدين العام، خصوصاً في ملف الكهرباء، حيث الفشل كاملاً وشاملاً من جميع الأحزاب الذين تولوا إدارة الملف. وينعكس تفاقم هاتين المشكلتين على الانفاق الذي لا يمكن الحد منه جذريا من دون معالجتهما. ولا يحد تقليص الانفاق الاستثماري والانفاق الجاري من الانفاق إلا بنسبةٍ طفيفة”. ويشجع حبيقة “اقرار الموازنة رغم كل الشوائب، ويثني على هذه الخطوة حفاظاً على المعنويات العالية. إذ إن المعاملة الحسنة عنصر مهم انطلاقاً من علم النفس. ويدفع التشجيع المستمر المعنيين الى مضاعفة جهودهم في السنوات المقبلة. والأهم تطوير النتيجة أكثر مع ضرورة إجراء قطع حساب في السنة المقبلة وإنجاز الموازنة في تشرين وليس في نهاية آذار”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*