خالي والشيخ إمام

“لا يغيبونَ إِلَّا حين نفتقدهم، الأصدقاء الأخفّ من الضّوء”. يتحَنجَلُ هذا البيت من قصيدة “في هدوء النّافذة والنّوم ” لعبده وازن، في رأسي كلّما حَبَتْ إلَيَّ ذكرى وفاة الشّيخ إمام.

والشّيخُ إمام لا يعنيني بِشَخصه فقط بل لِكونه مرتبطًا بِذكرى خالي الشّهيد. كِلاهما أخفُّ من الضّوء ورحلا بهدوءِ مَن عرِفَ طريقه في الحياة ومشاهُ حتّى آخره. كنتُ أهرعُ وأنا طفلةٌ خجولةٌ إلى غرفته الحمراء فيستقبلني قائلًا :” اخلعي خجلكِ الأنثويّ خارجًا وادخلي، هنا لا مكان للخجل، هنا الثّورة، الثّورةُ فقط.” كانت تفلتُ نغمات الشّيخ إمام وتهربُ من الشّبابيك فتملَأُ الحيَّ بالحياةِ، تمسحُ عنه لونه الرّماديّ وتطليهِ بالأحمرِ النّابض. أسأله :” مَن هذا يا خالي؟” يُغمضُ عينيه ويتنفس الصُّعداء لكأنّه كان ينتظر هذا السؤال منّي مع تَمَنٍّ بأن أسلك دربه وإيمانًا منه بحرّيّة كلِّ فردٍ في اختيار طريقه.

أسأله وقد لمس الشّيخ إمام دواخلي، يُجيبُ وآهات غزيرة تتدفَّقُ من دواخله :” هذا قطرةُ النَّدَى العالقة على وُرَريقةِ وردةٍ بعد ليلةِ شتاءٍ طويلة. هذا النّسمة الّتي تلفحُ مُزارعٍ بعد صفعاتِ شمسٍ عند الظّهيرة. هذا النَّفَسُ الَّذِي يدخلُ رِئتينِ فاحمتين قد خنقهما غبار السكوت. هذا الَّذِي ما رأى النّور يومًا فقررَ أن يمتطيه”.

الوقتُ، كلّ ما أحتاجه كان المزيد من الوقتِ معه ولكنّه رحلَ قبل أن يكمل القصّة. قتلَهُ صاروخٌ اسرائيليٌّ أُطلِقَ خِصّيصًا لِأجله وشَرَّفَه بالاستشهاد. “كلّ هذا الوقت الضّائع، ألم تعرف أنّه كان سيكون الحياة؟ هذا الوقت الضّائع الَّذِي كان تحتَ يدك، بين شفتيكَ ولم تتحرّك لِأخذه”. لم أتحرّكَ كفايةً لآخذَ المزيد من الوقت معه، لم أفعل ما في وسعي. تركته يرحل من دون أن أقول له كم أحببته وأنّه بالرغم من قلة الأيّام الّتي أمضيتها معه، قد صبغَ قلبي بلونٍ أحمرَ نابضٍ ووشمَ روحي بالثّورة ونقشَ في عقلي صُوَرًا لن تفارقه أبدًا.

قرأتُ الكثير عن الشُّهَدَاء وكيف يَحيون ومن أجملِ ما قرأت اعتقادُ البعض أنَّ الشّهيدَ يشهدُ الجنَّةَ قبل يوم الحساب. تمسَّكتُ بهذه الفكرة وانطلقتُ منها بحثًا عن خالي مُرَدِّدَةً :” قد يحتاجُ الحدْسُ إلى العتمة لِيرى نورَهُ.” فكنتُ أُمسكُ بِيدِ كلِّ طفلٍ يحتضرُ، في قسمِ العنايةِ الفائقة الَّذِي أعمل فيه، وأطلبُ منه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، أن يصحبني معه إلى الجنّة، أقفُ عند مشارفها، أسترقُ النّظرَ علَّني أرى خالي هناك فأضمّه وأقول له :” كم أحبّكَ، أَيُّهَا الفؤاد الشَّهيد!”.
(في ذكرى رحيل الشّيخ إمام).


فاتن فوعاني
كاتبة لبنانية

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*