حين تخترق المذاهب الجامعة اللبنانية وتعبث بمسارها الأكاديمي…

طلال خوجة
النهار
06072018

كنت قد اعتقدت انني توقفت عن الإنغماس بالقضايا النقابية والتنظيمية والبنيوية في الجامعة اللبنانية، بعدما تعرضت لهزيمة انا واللائحة التي نسقتها في كلية العلوم – الفرع الثالث في اواخر الالفية، بعد خدمة في ثلاث هيئات تنفيذية متتالية شهدت المواجهات الرئيسية مع قوى الامر الواقع، خصوصا المرتبطة بالنظام الامني السياسي، والذي لم يوفر الجامعة اللبنانية، خصوصا أنها شكلت لضباطه الدجاجة التي تبيض شهادات. وقد ادت المواجهات الى:

١- ابطاء نسبي في تداعيات التفريع الامني / السياسي وآثاره العميقة في التسييس والمحاصصة والزبائنية، ما اطاح عمليا بالاستقلالية التي تمتعت بها الجامعة طويلا.

٢- اعاقة احتواء الاساتذة واهل الجامعة عموما من القوى المذهبية، خصوصا المرتبطة بسلطة الوصاية.

٣- تحقيق مطالب رئيسية للجامعة عموما وللاساتذة خصوصا، نذكر منها تحسين الرواتب وصندوق التعاضد واستكمال بعض كليات المدينة الجامعية في الحدت، وبداية عودة خجولة للمجالس التمثيلية. ومع ان الهزيمة النقابية اتت على يد بعض الحلفاء في المواجهة مع القوى المهيمنة على ادارة الجامعة، الا انها شكلت ايذاناً بانهاء الاستعصاء الديموقراطي الشمالي الذي استند على فئات لم تعد قادرة على الافلات من الإنضواء في اطار معين للصراع المتصاعد في البلد عموماً، وبلغة أخرى فقد عمقت هذه الخطوة الجانب المذهبي من الصراع المندلع في الجامعة، معلنة انضمام معظم مندوبي الفروع الشمالية الى القبضة السنية الاجمالية التي تفلتنا منها طويلا.

ومع ان هذه الخطوة شكلت حافزاً لنا لنقل اهتمامنا الى ميادين نضالية مختلفة، خصوصا اننا كنا قد بدأنا في رحلة مشروع المدينة الجامعية في المون ميشال مع الرئيس الشهيد، والذي اعاد اكتساب قوة دفع كبيرة بعد انتصار رفيق الحريري في انتخابات ٢٠٠٠ وانتفاضة كلية العلوم في القبة والتفاف المجتمع الشمالي والطرابلسي خصوصاً حول قضايا الجامعة و البناء الجامعي الموحد، الا ان القضايا الاكاديمية والبنيوية والتي تتعلق بدور المؤسسة وبمستقبلها والتي نهضت على اكتاف أكاديميي زمن النضال الديموقراطي، ظلت تشكل قوة الجذب الرئيسية.

لقد اعتقدنا ان انخراطنا في ورشة بناء مناهج ” إل إم دي ”  في الجامعة وصياغة المقررات الجديدة وتأليف الكتب العلمية المناسبة سيستنزف معظم طاقتنا ويرضي جذوة العمل والامل فينا، خصوصا وأن هذه الورشة قد قادها استاذنا ابراهيم الحاج احد هؤلاء الاكاديميين الاوائل الذين رافقوا جزءا مهما من مسيرة الراحل حسن مشرفية، الا ان تتابع الانحدار التنظيمي والاداري كان يهدد كل انجاز، خصوصا مع دخول الجامعة من الباب العريض نادي القطاع العام بامراضه المزمنة، بما فيه امراض الهدر والفساد وعدم الكفاية، فضلا عن الاورام بانواعها، علما ان ادارة عشرات الفروع على طريقة دوائر المحافظات باتت مستحيلة عمليا.

لقد جرت محاولات اصلاحية متعددة في تسعينات القرن الماضي، وكان لي حظ المشاركة باحداها عبر صياغة مشروع تنظيمي مرن ومتقدم شارك فيه رئيس الجامعة والمدير العام لوزارة التعليم العالي ورئيس المركز التربوي للبحوث ورئيس الهيئة التنفيذية للرابطة آنذاك عصام خليفة وكنت نائبا له، الا ان هذا المشروع كغيره ضاع في خضم التناتش الإجمالي بين القوى الفئوية والذي كانت الجامعة تشكل احد مسارحه الدرامية، تماما كما ضاعت محاولة لاحقة ادارها احمد بيضون وحسن منيمنة بسبب من انقسامات الاساتذة، خصوصا بين الفروع الاولى والثانية.

لم يعد سرا ان تصاعد الانقسامات المذهبية في البلد قد سرع في تدهور الواقع الإداري والأكاديمي في الجامعة، وهو تدهور طال الاداة النقابية للاساتذة التي باتت شبه مطابقة مؤخرا للقوى السياسية الطائفية في البلد، كما طال المجالس التمثيلية، حتى لكأننا اصبحنا في فيدرالية الجامعة اللبنانية. وقد ترافق ذلك مع انقسامات طالبية حادة في بعض الفروع، استعملت ذريعة من قبل ادارة الجامعة لتعطيل التمثيل النقابي الطالبي الهش اساسا.

ادت قرارات التشعيب التي طالت كلية العلوم تحت ذريعة انصاف المناطق المحرومة إلى مزيد من تدهور العملية الاكاديمية والى تحويل التعليم الجامعي الى تعليم مدرسي، ولم تشكل قرارات مجلس الوزراء في انشاء فروع جامعية جديدة في عكار وكسروان، وجبيل وبعلبك – الهرمل سوى ذر للرماد في العيون، نظرا لصعوبة التنفيذ ولركاكته البديهية في حال حصوله، اذ كان الأجدر انشاء ودعم المجمعات والمدن الجامعية في الفروع الحالية وبناء مساكن للطلاب ومراكز بحوث، وانشاء كليات متخصصة في هذه المناطق. قد يتساءل البعض عن إمكان اصلاح الوضع الاكاديمي بعد كل هذا التدهور، وللجواب ربما علينا طرح الاسئلة التالية:

١- الى اي حد اصبح التطابق بين واقع القطاع العام المريض وواقع الجامعة اللبنانية؟ واستطرادا، هل ما زال الاصلاح ممكنا بشكل مستقل بعد استفحال سياسة المحاصصة والزبائنية وما تجره من تورم وهدر وفساد؟

٢- هل ما زال ممكنا ادارة مركزية شديدة لخمسين فرع في مختلف المحافظات والمناطق على طريقة ادارة الوزارات؟

٣- ما هو الواقع الاكاديمي الاجمالي في البلد خصوصا بعد انتشار الجامعات الخاصة والمذهبية كالفطر، وكيف يفرز الغث من الثمين؟

4- ممن تكون قوى الاصلاح؟ اساتذة؟ طلاب؟ موظفين؟ أحزاب او حركات سياسية؟ قوى المجتمع المدني؟

دعونا ننطلق من ان الجامعة اللبنانية تؤدي الوظيفة الأساسية في تخريج الكوادر الرئيسية في شتى المجالات. ورغم التقويمات الاكاديمية التي تتبع قواعد ومقاييس معينة، ورغم الضغوط والازمات في الجامعة اللبنانية، فان متخرجي كلياتها العلمية والتطبيقية، على الأقل، ما زالوا يتمتعون بميزات تفاضلية كبيرة في الأسواق الداخلية والخارجية، ما يجعل الدفاع عنها مهمة اساسية للحريصين على نهوض البلد الاقتصادي والاجتماعي وحتى الوطني.

لا يوجد شخص في الجمهورية اللبنانية يعتقد انه يمكن انجاز اصلاح جذري في الجامعة اللبنانية مفصولا عن الاصلاح السياسي في النظام اللبناني، ذلك ان منظومة الطوائف وادواتها واحزابها، خصوصا الممانعة منها، قد اخترقت بنيتها ونسيجها وحتى مسامها، معرضة شرايينها الاكاديمية للإنسداد. ومع ذلك فان قوى المواجهة من الداخل والخارج ما زالت تمتلك رصيدا معقولاً يمكن الاعتماد عليه بوقف التدهور ووقف العبث بمكانتها وسمعتها ومقوماتها.

وربما وجب مراجعة قضية الادارة المركزية للفروع، حتى لو ادت المراجعة لطرح فكرة تحويل بعض الفروع الاساسية لجامعات مستقلة بعد وضع معايير ومحاذير معينة كي لا تتحول إلى مدارس او قلاع مذهبية.

يبقى الأساس ان يخرج من المجتمع المدني تيار ديموقراطي عابر للطوائف يعتبر الجامعة اللبنانية (والتربية عموما) ركنا اساسيا من اركان اي نهوض جدي للبلد المعوق والمأزوم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*