حين أشاد بوب ديلان ومارلون براندو بأم كلثوم

محمود الزيباوي
الخميس08/06/2017
المدن
almodon.com

توقفت وسائل الإعلام العربية أمام إشادة النجم الأميركي الحائز نوبل للآداب بوب ديلان بأم كلثوم، واستعادت بكثير من الاعتزاز حديثا صوتيا له يعبّر فيه عن المكانة التي تحتلها كوكب الشرق في العالم العربي وما تمثله في عالم الغناء.

في هذا التسجيل الصوتي الذي يعود إلى عام 1979، قال ديلان: “ان من يموت لا يتذكره أحد، لكن الناس يتذكرون واحدة من أهم المغنيات في التاريخ، المغنية المصرية أم كلثوم. بعد سنوات على رحيلها، ما زال العرب يعتبرونها أهم مغنياتهم وأفضلهن. حين توفيت، خرجت جنازتها من مسجد عمر مكرم في وسط القاهرة، وشارك فيها أربع ملايين شخص، وزحف خلف النعش بضعة ملايين، وداروا في الشوارع طوال ثلاث ساعات، قبل أن يعودوا بالنعش إلى المقبرة”. في ختام هذه الشهادة، دعا بوب ديلان إلى الاستماع أم كلثوم لاستكشاف أسلوبها في الغناء، وانسل صوت ثومه وهي تنشد: “يا حمام شاهد دموعي واسمع نحيبي واشكي أليه سهد الليالي”. واللافت أن الأغنية التي ختم بها ديلان حديثه ليست من الكلاسيكيات المشهورة، بل مونولوغ يعود إلى العام 1931، وههو من كلمات أحمد رامي وألحان محمد القصبجي، وعنوانه: “طالت ليالي البعاد”.

 فوجئ العالم العربي بهذه الشهادة، واكتشف على أحد المواقع الموسيقية حديثا لبوب ديلان في عام 1978 عبّر فيه عن حبه للاستماع إلى الموسيقى الشرقية، وعند سؤاله: “لمن تستمع هناك؟”، أجاب بدون تردد: “أم كلثوم، هي مطربة مصرية عظيمة استمعت إليها أول مرة أثناء زيارتي إلى القدس”، وأضاف: “أعتقد أنها الأشهر في الشرق الأوسط، وقد كانت تغني مع والدها في الابتهالات الدينية، ثم سمح لها بالغناء باستخدام الطبلة، ومن ثم استعملت الكمان. هي فنانة عظيمة. حقاً عظيمة”.  وبحسب رواية نقلها الناقد روبرت فورستر، سأل بوب ديلان المغنية اليونانية الذائعة الصيت نانا موسكوري بشكل مفاجئ: “من هو مطربك المفضل؟”، فأجابت على الفور: “أم كلثوم”، فدهش بهذه الإجابة، اذ اكتشف أن حب أم كلثوم يجمعهما. ونقع على حديث آخر يقول فيه بوب ديلان أن أحب الأصوات إليه، هما صوتا أم كلثوم ونانا موسكوري.

يجدر القول هنا أن نانا موسكوري نجمة يونانية معروفة في سائر أنحاء العالم، وهي اليوم في الثمانين من عمرها، ومبيعات تسجيلاتها تخطت الـ230 مليوناً، وشهادتها في أم كلثوم توازي بثقلها شهادة بوب ديلان الذي أهداها اغنية كتبها خصيصاً لها عنوانها “كل حبة تراب”، والمعروف أنها غنت بخمس عشرة لغة، وسجلت باليونانية أغنية بديعة عنوانها “في رثاء أم كلثوم”، كتب كلماتها الشاعر اليوناني الكبير نيكوس غاتسوس، ولحنها مانوليس حاجيداكيس، نظير ميكيس تيودوراكيس في عالم الموسيقى اليونانية المعاصرة، وفيها تردّد بالعربية: “الله الله الله”، وتكمل باللغة اليونانية: “هو نهر ويمضي”.

شهد روبرت فورستر لإعجاب بوب ديلان ونانا موسكوري بأم كلثوم، وقدم الباحث بول ويليمس في الكتاب الموسوعي الذي خصّ به بوب ديلان شهادة أخرى في هذا الميدان، وتتميّز هذه الشهادة بالحديث عن “الطرب” في اداء ديلان، والملفت أن هذا تعبير “طرب” جاء بصيغته الحرفية في هذه القراءة النقدية، من دون اللجوء إلى كلمة انكليزية مرادفة. قبل بوب ديلان ونانا موسكوري، فاجأ النجم السينمائي الراحل مارلون براندو العالم العربي حين عبّر عن اعجابه الكبير بأم كلثوم. حدث ذلك في شباط 1967، يوم مرّ بطل “عربة اسمها اللذة” في لبنان مروراً سريعاً، “ومكث تسعين دقيقة في مطار بيروت يرد فيها على أسئلة الصحافيين وعلى تحيات المعجبين الذين عرفوا بموعد قدومه فزحفوا إلى المطار لاستقباله”، كما كتبت مجلة “الحوادث” يومها. كان براندو عضوا في مؤسسة اليونسيف، وجاء من القاهرة، في نطاق جولة مدتها خمسة أسابيع زار خلالها الهند وباكستان وتايلاند وكامبوديا ومصر، وذلك  لاستقطاب الفنانين العالميين للاشتراك في حفلات خيرية يعود ريعها إلى هذه المؤسسة.

وصل النجم الأميركي إلى بيروت وهو “يلبس نظارتين سميكتين وقميص سبور”، وبدا مرهقاً، وقال أمام الجمهور الذي احتشد لاستقباله: “لم أنم البارحة سوى ساعتين، فقد حاولت استغلال وقتي القصير في القاهرة لإقناع مدير اليونسيف هناك بمشروع يراودني بإلحاح، وهو محاولة إقناع مطربتكم الكبيرة أم كلثوم بإحياء حفلة خيرية في السنة القادمة يعود ريعها لليونسيف. وفي اعتقادي ان أم كلثوم تستطيع أن تقدم خدمات للأطفال الذين ترعاهم المؤسسة الدولية أكثر من أي وزير في العالم. وبالمناسبة فإن صوت أم كلثوم ينفذ إلى أعمق أعماقي مع اني لا أفهم اللغة، وأنا أحتفظ بين مجموعة اسطواناتي بعدد كبير من اسطواناتها”.

مثل بوب ديلان ونانا موسكوري ومارلون براندو، عشق مصمم الرقص الفرنسي موريس بيجار أم كلثوم، وصمّم لوحة راقصة باسمها على وقع أغنية من أغنياتها  نظم كلماتها عبد الفتاح مصطفى الغمراوي، ولحّنها رياض السنباطي في العام 1958، وعنوانها “التوبة”. جاء بيجار مع فرقته “باليه القرن العشرين” إلى بعلبك سنة 1963، وعاد ثانية في 1966، وثالثة في 1975. وفي مطلع الألفية الثانية جاءت فرقته إلى العاصمة اللبنانية لتقدم عرضاً كوريغرافياً راقصاً في الفوروم دو بيروت، وانتظر الجمهور لوحة “أم كلثوم” لكن الفرقة العالمية لم تقدمها، لأن جهاز الرقابة في الأمن العام اللبناني طالب ببترها حرصاً على “المشاعر الدينية”، علماً أنها قدمت في مصر ولقيت نجاحاً كبيراً حين عُرضت ضمن استعراض “هرم” في العام 1990.

هكذا جاء العرض في بيروت ناقصاً، وافتقد الجمهور المتلهف تلك اللوحة الطربية الحديثة التي صمّممها بيجار على مقام صوت كوكب الشرق وهي تنشد: “تائب تجري دموعي ندما/ يا لقلبي من دموع الندم/ ليتني ذبت حياء كلما/ جدد العفو عطاء المنعم/ عانق الشيطان في صدري الملاك/ وتحيرت بهذا وبذاك/ ثم صاح الوهم قلت واهواك/ سبح الإثم بأمري فارتمى/ حاضري يمسح جرح الألم”.    

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*