اخبار عاجلة

حول النموذج العوني للرئاسة والنوستالجيا الدائمة

 

 


وسام سعادة
Aug 27, 2018
القدس العربي

شعوران يتجاذبان المسيحيين الذين عوّلوا على وصول العماد ميشال عون إلى سدّة الرئاسة قبل أقل قليلاً من عامين.

الأوّل بأنّهم كانوا يمنّون النفس بانعطافة شاملة لم تحدث فيما يتصل بتمكين «منطق الدولة»، وأن «المثال الشعبوي» لرئيس متصل مباشرة بالجماهير لم يجترح مشهدية احتشاد جديدة في باحات القصر الجمهوري، كما في أيام مواجهة الجنرال عون، رئيس الحكومة العسكرية آنذاك، مع الجيش السوري واتفاق الطائف. فهذا لم يحصل بعد انتخاب عون رئيسا سوى مرة واحدة، ولم يتكرّر، وانحصرت «صناعة النموذج الشعبوي» بعد ذلك بالصهرين، جبران باسيل، وزير الخارجية ورئيس التيار العوني، وشامل روكز، الآتي من المؤسسة العسكرية، وقد حسمها باسيل سريعا لمصلحته على هذا الصعيد، وأظهر عن مهارة في «الاستثمار بالتشنجات»، من دون ان يمكنه «السياق» من خوض معركة سياسية «للآخر»، وبخاصة مع من صوّب عليه قبل الانتخابات، أي الرئيس نبيه بري، لينتقل من بعدها لـ«عركة محاصصة وزارية» مع «القوات اللبنانية»، حوّلت «تفاهم معراب» بينهما إلى موضوع تندر عند الناس، ولا تزال تقف عائقا دون تشكيل الحكومة العتيدة.

الشعور الثاني، الذي يمكن أن يحمله في نفس الوقت من يشعرون بالأول، هو أن المسيحيين باتوا أقوى سياسياً بعد انتخاب عون رئيساً، وأنه لا يمكن في أي حالة من الأحوال المعادلة بين رئيس يمتلك «مشروعية شعبية مزمنة» داخل طائفته، وبين من لا يمتلك مثل هذه المشروعية الشعبية. صحيح أن أيا من وعود «الاصلاح» المنشود لم يتحقق، لكن الذين يشعرون بالمُكنة المسيحية بعد وصول عون، وبعضهم لا يكابر على «مضادات الاصلاح» الاضافية من بعد وصوله، يعتبرونه نجح في التعويض إلى حد كبير عن المعادلات القائمة بموجب اتفاق الطائف او من بعد هذا الاتفاق، وانه نجح في الاساس في «تطوير» فكرة عن «الميثاق» تقلل إلى حد كبير من «مضار اتفاق الطائف» والدستور المعدل له. لا يلغي ذلك، ان رئيس حزب القوات سمير جعجع نجح عند صياغة تفاهم معراب، بتأمين الاعتراف الكامل لعون بالطائف، وان عون اقتبس الفكرة التي على اساسها تدافع القوات عن الطائف، وهي المناصفة الكاملة والفعلية بين المسيحيين والمسلمين، لكن عون أضاف إلى هذا الاقتباس فكرته عن «الرئيس القوي» كرئيس جمهورية له طبيعتان ملكية وشعبية في آن.

لكن الشعبية التي نالتها اللوائح المدعومة من عون عام 2005 تراجعت بعد ذلك، عام 2009 واكثر في انتخابات هذا العام، من دون ان يتراجع كونه على رأس تكتل توليفي سياسي وأهلي لا يزال الأكبر مسيحيا والاقوى في جهاز الدولة مسيحيا، والاقوى في البرجوازية المسيحية، ويعكس كل هذا التكتل البرلماني الاوسع مسيحيا.
في المقابل، نجحت القوات في انتخابات حزيران الماضي في مضاعفة عديدها، ونجحت على امتداد العشرية الاخيرة في الخروج إلى حد كبير من صورتها النمطية كبنت البرجوازية الصغيرة، لتجد لها موطئا في الاوليغارشية المالية والبرجوازية بشكل عام، لكن التحدي التي تواجهه الآن يتقوم في كيفية عدم الظهور كطرف «هائم على وجهه» من بعد تدهور احوال تفاهمها السابق مع خصمها اللدود قبل ذلك، وهو تفاهم عوّل عليه ليرتقي إلى منزلة تحالف، فاذ هو يشكل التوطئة لأزمة حادة بين الفريقين العوني والقواتي، أزمة يمكن معها التأمل في كون نهاية الحرب الاهلية اللبنانية العامة انتهت بحرب اهلية مسيحية داخلية بينهما، فهل تكون الأزمة الحادة بينهما الآن، ما لم يكن من الممكن التحكم بها ورسم سقوف لها، مقدمة لاعلان الفشل النهائي للنظام السياسي بالشكل الذي تطور فيه بعد الحرب، وفي كنف الوصاية وما بعدها، والى اليوم؟
هكذا تأمل سيعود فيصطدم بما يمكن تسميته بالسر المعلوم للمكابدة اللبنانية: انه على الرغم من الاكثرية الديموغرافية الإسلامية، فان القوى النافذة في الطوائف الإسلامية، ولما لم تكن راغبة او قادرة على انتهاج نهج يحاكي اقله نهج العلمانية التونسية ـ تخيل موقفها مثلا من اعتماد المساواة في الارث لبنانيا ـ فانها حكمت على نفسها بتكريس الانقسام المذهبي السني الشيعي اكثر فاكثر، وبلامساواة المسلم امام المسيحي في القوانين الانتخابية الطائفية، وببقاء «الدولة العميقة»، اذا ما جوزنا التعبير، ذات طابع مسيحي في لبنان.
وطالما هذا السر المعلوم يحكم المعادلات اللبنانية، من الصعب تماما تصور كيفية تجاوز النظام القائم بعد الحرب، الذي يقول بالمناصفة الإسلامية المسيحية وينقسم فيه الناس حول معنى هذه المناصفة، ومنزلة الفعلي من الشكلي منها، وكيفية مواءمتها مع الديمقراطية البرلمانية وفصل السلطات. «التكتيك الدائم» للحالة العونية حيال هذا النظام، هو الاستثمار في نوستالجيا «ما قبل الطائف» عند المسيحيين، ومن ثم في نوستالجيا «الكفاحية العونية» (حرب التحرير، حرب الالغاء، المنفى، نضالات الجامعات). المفارقة ان هذا «التكتيك الدائم» صار على رأس نظام اتفاق الطائف، وان حيلته للتعامل مع هذا الواقع هي: رئيس الجمهورية هو الدستور الحي.

٭ كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*