حول الغضب التركي من تهجم الإمارات على «نمر الصحراء»

رأي القدس
Dec 22, 2017

أثارت تغريدة لوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد تتهم قائدا عثمانيا بارتكاب جرائم ضد أهل المدينة النبوية خلال الحرب العالمية الأولى موجة غضب كبيرة بحيث أن الرئيس التركي نفسه، رجب طيب إردوغان، رد بشدّة على الوزير الإماراتي معتبراً أن «بعض المسؤولين في الدول العربية يهدفون، من خلال معاداتهم لتركيا، إلى التستر على جهلهم وعجزهم وحتى خيانتهم».
تذكر الوثائق التاريخية إن القائد العثماني فخر الدين باشا، دافع عن المدينة المنوّرة مدة سنتين وسبعة أشهر، وذلك بعد سقوط باقي المدن كمكة وجدة والمناطق وبقي محافظا على مواقعه بعد انتهاء الحرب وصدور أوامر تنص على استسلام الوحدات العثمانية في الحجاز والشام واليمن والعراق للحلفاء، كما رفض أمرا من الخليفة العثماني بالاستسلام «لأن الخليفة»، حسب رأيه يومها «يعد الآن أسيراً في يد الحلفاء».
تعرض «نمر الصحراء» (اللقب الذي عرف به) وحاميته لضغوط شديدة مع قلة الطعام وتفشي الأمراض وأخيرا ارتقى منبر الصحن الشريف ملتفا بالعلم العثماني وهو يبكي «لن نستسلم ابداً ولن نسلم مدينة الرسول للإنكليز» لكن ضباطه ضغطوا عليه فدخلت قوّات الشريف حسين المدينة في الشهر الأول من عام 1919 واستسلمت الحامية العثمانية بعد 72 يوماً من توقيع الخليفة العثماني لمعاهدة موندروس، لينفى إلى مالطا ويسجن ثلاث سنوات فيها قبل أن يعود إلى بلاده.
لا شك في أن فخر الدين باشا كان مدافعاً شرساً عن حق الخلافة العثمانية في الدفاع عن المدينة المنوّرة وأنه، بمقاييس التاريخ، قام بواجبه العسكريّ المندمج، في تلك الحقبة المعقدة، وبواجبه الدينيّ والوطني، وهو أمر يفسّر الحميّة الكبيرة التي يتعامل معها الأتراك مع سيرة هذا القائد بالارتباط مع اعتزازهم بالتاريخ العثماني والإسلامي، وقد سجّلت تلك اللحظة التاريخية شعوراً تركياً عميقاً بالخسران الذي حاق بامبراطوريتها الواسعة، وإحساساً بالإهانة من تحالف أطراف عربيّة مع الحلفاء الغربيين ضد أشقائهم الأتراك.
ولعب صدور التغريدة في وقت تصدّر إردوغان وتركيا موقف الدفاع عن القدس الفلسطينية دوراً في مطابقة الجرح التاريخي لسقوط المدينة المنورة بيد الإنكليز مع الجرح الجديد الذي مثّله قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وهب إسرائيل أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، كما تطابق، في أذهان المسؤولين الأتراك موقف العرب من حلفاء الإنكليز الذي شاركوا في سقوط المدينة المنورة عام 1919 مع موقف الإمارات والسعودية المتواطئ من وراء الكواليس مع ترامب.
تلعب تغريدة وزير الخارجية الإماراتي على معلومة تاريخية تقول إن القائد العثماني أخلى المدينة المنورة من سكانها وأن هذا جعل كثيرين منهم يعانون الأهوال، والحقيقة أن لا أحد يستطيع إنكار أهوال الحرب العالمية الثانية وأضرارها التي قاسى منها الملايين، وقد استخدم سكان الأقاليم العثمانية تعبير «سفر برلك» لوصف أحوال المجاعة والهجرات واختفاء عشرات الألوف على الجبهات في تلك السنوات الرهيبة التي لم توفّر أحدا فعانى منها الأتراك والعرب والأوروبيون والروس.
يقوم استلال المغرّد الإماراتي لهذه المعلومة وحدها وفرزها عن مجمل الألم الذي عانته البشرية برمتها (ونال الأتراك حصتهم الكبيرة منه) فيه افتئات وظلم وسوء نيّة وخصوصاً أن الإمارات تشارك حاليّاً في حرب طاحنة في اليمن مرّ عليها ألف يوم، وهي حرب لا شكّ أن دور أبو ظبي فيها، وخصوصاً ما يتعلق بالسجون المخيفة وقصف المدنيين والمساهمة في الحصار واستحكام الكوليرا والفقر والجوع، لا يمكن، بأي حال، مقارنته بأفعال فخر الدين باشا في المدينة المنورة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*