حول التجربة البورقيبية: علمانية أم تحديث؟


د. آمال موسى
كاتبة وشاعرة تونسية

يصادف يوم الجمعة المقبل الذكرى الـ18 لوفاة الزعيم الحبيب بورقيبة الرجل الذي قام ببناء الدولة الوطنية التونسية الحديثة بعد الاستقلال. هذا الرجل أصبح حاضراً في الخطاب الاجتماعي والسياسي اليومي التونسي أكثر من أي وقت مضى، وذلك بين الحنين إليه وبين نقده المستمر.
فهل كان بورقيبة فعلاً علمانياً كما يصفه كثيرون، خصوصاً أنه كثيراً ما عبر عن إعجابه وانبهاره بكمال أتاتورك، أم تجربته تنضوي ضمن المشروع التحديثي الجزئي وأهم عناوينه التعليم وتحرير المرأة التونسية؟
بقدر ما يصح نسبياً على تجربة بورقيبة وصفها بالتحديثية، فإنه في المقابل يصعب وصفها بالعلمانية الكلية، وربما يعود ذلك إلى ضرورة تعتق شروط العلمانية مع الزمن والأجيال وتراكم الخبرات والممارسة، علماً بأن التفكير بعيداً عن أي خلفيات في تصور بورقيبة الخاص للدين قد يكون مهماً معرفياً ومدخلاً مغايراً لاكتشاف حقيقة الفكر البورقيبي الذي ينتصر للآني السياسي.
نجد في تجربة بورقيبة حنكة سياسية في استبطان عكس الظاهر والمنطوق به، والانصياع الظرفي لموقف مقيد بملابسات معينة. وبالتالي، فإنه في مواقفه لا ينطلق من مواقف دينية ثابتة، بل إن الموقف من المسألة الدينية قابل للتحول وللانقلاب عليه إن حتمت النفعية ذلك، مستجيباً أحياناً لتكوينه المعرفي الذي يتسم بتوجهات علمانية، وحيناً آخر لضغط الموقف السياسي. ومن هذا المنطلق، فإن تعاطي بورقيبة مع الدين يتصف بالنفعية والبراغماتية، وبالأسلوب الانتقائي والواقعية. ومثل هذه الأوصاف تعني أن شروط تحقق الدولة العلمانية التي تفصل بين السلطة الروحية والسلطة السياسية غير متوافرة في كيفية ممارسة بورقيبة للسياسة. ولا تتجاوز علاقة الدولة بالدين حدود التوظيف، ولا تحمل أي اعتبارات فكرية وسياسية. لذلك؛ فإن ظاهرة التناقض في الخطاب وجدلية التخفي والتجلي والتواصل والتمايز، كلها تندرج في إطار التكتيك السياسي وتلبي مصالح الدولة، وتستجيب لمقتضيات التعبئة السياسية.
اللافت للانتباه، أنه بعد ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011 كثر الحديث عن بورقيبة، وأصبح الحاضر الغائب باستمرار، بل إن هناك من اعتبر أن حدث الثورة نفسه هو من نتاج سياسة الدولة الوطنية الحديثة التي راهنت على التعليم وبناء العقل. أي أن هناك من فسّر حدث الثورة التي أنتجت معجماً مفاهيمياً وقيمياً، إنما هي في وجه من وجوهها، نتاج سياسة التحديث التي تبنتها الدولة الوطنية الحديثة الاستقلال آنذاك، ونقصد بذلك ما أشرنا إليه الرّهان على إجبارية التعليم ودمقرطته، وضرورة بناء العقل التونسي.
إن المحمول الإيجابي لمسار التحديث في تونس، قد فعل فعله الخلاق في تشكيل ليس فقط نظرة الإنسان التونسي المخصوصة إلى العالم، بل ألقى أيضاً بظلاله على علاقته بذاته التي غدت أقل كليانية. كما أن من العناوين الكبرى لتجربة بورقيبة إعادة تشكيل دور الدين في مجال الممارسة الاجتماعية للدين، وما رافق ذلك من هدم للبنى التقليدية المعززة للمعيارية الدينية.
غير أن المنجز البورقيبي في مجال الممارسة الاجتماعية للدين عرفت بعد الثورة امتحاناً اجتماعياً حاسماً وعسيراً؛ لأن الدولة كانت هي الأداة التي فُرض بها التحديث وبعض مظاهره، في حين أن المعيش الديني الاجتماعي اليوم هو في حل من إكراهات الدّولنة من جهة، وفي ظل هيمنة متزايدة لخريطة سياسية متعددة المشارب الآيديولوجية من جهة أخرى. وظهرت التباينات والاختلافات التي تم قمعها بأجهزة الدولة، فإذا بالتعاليم الدينية التي أرادت الدولة فرضها ليست محل إجماع، وإذا بالمعارضة أكبر مما كان التونسيون يعتقدون.
فمثلاً، مجلة (قانون) «الأحوال الشخصية» التي تمكنت مكاسبها من الصمود حتى بعد دخول الإسلام السياسي للمشاركة في الحكم نعتقد أنها اليوم بعد دعوة الرئيس الباجي قائد السبسي في الصيف الماضي في احتفال باليوم الوطني للمرأة التونسية بمراجعة قانون الميراث، إنما هي اليوم تضع كل التجربة البورقيبية وما خطه في مجال المرأة في امتحان حقيقي.
طبعاً ربط مجلة «الأحوال الشخصية» في تونس ببورقيبة لا يعني أن المرأة التونسية قد تلقتها هدية. فإذا كانت مسألة المرأة في تونس، قد لاقت حماسة منقطعة النظير في الفضاء العربي الإسلامي، تكبد شعلتها الحارقة المصلح الطاهر الحداد وتبناها بورقيبة جاعلاً من النهوض بوضعية المرأة القلب النابض في مشروع التحديث، فإن ذلك لا يعني ألبتة كما يعتقد البعض أن المرأة في تونس، حصدت دون أن تتكبد عناء الزرع ومشقة إثبات الذات الفاعلة والقادرة والكاملة عقلاً.
فصحيح أن الدعم التشريعي عامل قوي ومهم في تطوير الواقع الاجتماعي للمرأة، لكن النضال الصعب تدور رحاه في تفاصيل اليومي، وفي عمق أشكال الممارسة الاجتماعية للمنظومة القيمية الخاصة بمسألة عدم التمييز على أساس الجنس. بل إن المدوّنة التشريعية ذاتها هي نتاج مكابدة رموز نسائية نعرف بعضها، والغالبية العظمى تعذر علينا التعرف إليها؛ كون كل النساء من الأجيال السابقة دون استثناء خرقن جدار الصمت وسطوة التقاليد.
إن في حوزة المرأة التونسية ثروة تشريعية وحقوقية، اكتسبتها بشرعية النضال والعمل والمشاركة والكفاءة والإبداع، وأغلب الظن أنها من الوعي، ومن الاعتزاز بذاتها الحرة وبأبجدية هويتها، ما يُحتم عليها مزيد تراكم مكتسباتها من خلال الذود عنها وإثرائها. كما الإسلام السياسي التونسي، وتحديداً حركة النهضة فهمت طبيعة العلاقة الترابطية الإلزامية بين وجودها سياسياً وبين الانتصار للمساواة بين الجنسين.
لقد أجاد المفكر محمد الشرفي عندما وصف مجلة «الأحوال الشخصية» بالدستور الحقيقي للبلاد التونسية.
نظن أن البورقيبية ننجح في قراءتها وفهم خصائصها عندما نقاربها من منظور مشروع التحديث لا العلمانية وغيرها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*