حميد بوحبيب: الثقافة الأمازيغية افتقدت التدوين قروناً طويلة

الشاعر الأمازيغي وأستاذ الأدب الشعبي الجزائري يتحدث عن التراث الضائع

د. حميد بوحبيب
الجزائر: د. أميمة أحمد
الشرق الأوسط

في هذا اللقاء، يتحدث د. حميد بوحبيب، الشاعر الأمازيغي وأستاذ الأدب الشعبي الجزائري بكلية الأدب العربي بجامعة الجزائر عن التاريخ الثقافي لشعب الأمازيغ الثقافي، وإشكالية الشفاهية والكتابة، وضياع الكثير من المدونات الأمازيغية، وكذلك الشعر الشفاهي، الذي لم يحظ بالتدوين إلا بالقرن الخامس عشر، بعكس الشعر العربي الذي دُوِّن في القرن السادس الميلادي.

وهنا نص الحوار:

الفرنسيون أيقظوا بالأميزيغ شعر المقاومة

> بداية، هل يوجد في الشعر الأمازيغي شعر قديم وشعر حديث شأن الشعر العربي؟

– في الحقيقة محاولة تأريخ الأدب الأمازيغي تضعنا أمام إشكالية الشفاهية والكتابة، لأنه بسبب انعدام ثقافة تقاليد كتابية عريقة جدا مثلما هو موجود في اللغة العربية منذ عصر التدوين، فإن اللغة الأمازيغية أضاعت كثيرا من مدوناتها القديمة وشعرها القديم، فما وصلنا موثقاً يعود في أحسن الأحوال إلى القرن الخامس عشر الميلادي. هل كان قبل ذلك للأمازيغ شعر وقصة وغير ذلك؟ أكيد، لأن الشعر لا يمكن أن ينشأ من عدم فجأة في القرن الخامس عشر. أكيد أن هنالك شعرا من قبل، ولكن لأنه كان شفويا لم يُدَون ولم يصلنا، الشعر الذي أتكلم عنه هو شعر الأفراد المعروف المؤلف، وهذا لم يصلنا.

> ماذا عن الشعر المجهول المؤلف وحافظت عليه ذاكرة الأمازيغ الجمعية؟

– نعم، ثمة شعر آخر هو شعر جمعي، مجهول المؤلف وبالتالي لا يمكن أن نؤرخ له، هذا الشعر الجمعي المجهول المؤلف مرتبط بطقوس الحياة من ميلاد الفرد وهو جنين في بطن أمه، منذ أن تتوحم الأم هناك أشعار تصاحب هذا الحمل إلى الميلاد إلى الختان بعد ذلك إلى أن يكبر هذا الطفل ويصبح شابا، ما يسمى «دورة الحياة»، (Cycle de vie) إلى أن يموت، تصحبه أشعار جنائزية، وهناك شعر جني المواسم، الحصاد وقطاف الزيتون وأشعار طقوس مصاحبة للعمل، مثل شعر صنع الفخار، وشعر النسيج سواء السجاد أو البسط، وشعر طقوس (التويزة)، أي العمل الجماعي التطوعي.

> هل هذه هي موضوعات الشعر الأمازيغي في الذاكرة الجمعية؟

– لا، هذا الشعر يصاحب الفعل، وهو شعر مجهول المؤلف وبالتالي لا يمكن أن نؤرخ له، لا نستطيع أن نقول متى بدأ، بالتالي ما نعثر عليه شعر طقوسي مرتبط بالموت، بالجنازة، بالدفن، إلى غير ذلك، ولا نعرف من كتبه، لا نعرف متى قاله، لا يمكن أن نجزم أن هذا الشعر يعود للقرن السادس عشر أو الخامس عشر، معنى ذلك أن ثمة شعرا في ذاكرة جمعية، لا نعرف متى قيل وأصبح متداولاً عند الأمازيغ.

> مقارنة مع الشعر العربي ما هو المعلم الزمني للشعر الأمازيغي القديم؟

– المدونات المكتوبة تعود في أحسن التقديرات إلى القرن الخامس عشر والسادس عشر. وقد جمع مولود معمري في كتابه «الشعر القبائلي القديم» نماذج من هذين القرنين.، زملاؤنا ومواطنونا وإخوتنا في المغرب الشقيق، حيث لهجات مختلفة للأمازيغية بالشلحة والريفية، أيضا لديهم أشعار تعود للقرن الخامس عشر والسادس عشر. ما قبل ذلك ليس لدينا مدونات تعود إلى أزمنة سحيقة. وهذا على خلاف الأدب العربي، الذي حظي بالتدوين منذ بداية القرن السادس الميلادي أي في القرن الهجري الأول، وأولُ كتاب دُوِّن هو القرآن الكريم، ثم جاء عصر التدوين فتراكمت مدونات كثيرة جدا في الشعر العربي. هذا بالنسبة إلى الزمن، ثم المنعطفات الحاسمة جدا في هذا الشعر من حيث التأريخ نجدها في الفترة الكولونيالية. سنجد أن القرن التاسع عشر هو العصر الذهبي للشعر الأمازيغي بجميع اللهجات سواء في المغرب أو الجزائر أو في تونس أو في ليبيا أو حتى عند الطوارق، وحتى عند مواطني الطوارق في مالي ونيجر.

> هل كان الاستعمار الفرنسي عاملا في ازدهار الشعر الأمازيغي؟

– نعم بطريقة غير مباشرة، لأن الناس لما صدموا بهذا المُكتَسِح الغازي، الذي جاء من وراء البحر بجيوش وجحافل بقصد الإبادة، استعمار استيطاني، ظهر شعر المقاومة، ظهر الشعر السياسي، لم يكن ذلك معروفا من قبل، فتفتقت الموهبة الجماعية على رؤية للعالم لم تكن موجودة من قبل. كان في الماضي قبل الغزو الفرنسي شعر في إطار العشيرة والقبيلة الضيقة، ولكن بعد الاصطدام بالمستعمر الفرنسي أصبحت هناك رؤية للوطن، رؤية للأمة. هذه الأبعاد والشعور بالذات الجماعية الموسعة لم تظهر إلا بالاصطدام مع المستعمر الفرنسي. من هنا يعد العصر الذهبي للشعر الأمازيغي هو القرن التاسع عشر تقريبا، لكن لاحقا في القرن العشرين ستظهر معطيات جديدة أخرى. ستتحول هذه الشفاهية إلى كتابية، وأيضا ستظهر التسجيلات السمعية البصرية، لأول مرة مع نهاية الحرب العالمية الأولى 1919 تقريبا، وسيبدأ شعراء أمازيغ ومغنون ومطربون أمازيغ في الجزائر أو في المهجر، في فرنسا على وجه التحديد، يسجلون أشعارهم في شركات فرنسية، مثلا «باتي ماركوني» أول شركة سجلوا فيها مدونات شعرية كثيرة جدا منذ بداية القرن العشرين، فتحولنا من شعر الشفهية الخالصة إلى الشفهية المُعَلَّمة، يعني استعمال وسائل التسجيل، بعد ذلك ستصبح الأغنية المسجلة على أشرطة وعلى أسطوانات مصحوبة بصوت حي.

> متى بدأ جمع الموروث الشعري الأمازيغي أو المدونات كما أسميتها؟

– عندما يكون هنالك وعي بضرورة جمع هذا الموروث الشفهي وتسجيله لحفظه من الضياع سيبدأ النقد. في البداية كان هناك نقاد فرنسيون وإنثروبولوجيون فرنسيون قاموا بجمع هذه المدونات الشعرية، ثم أتى جيل من الدارسين الجزائريين، الذين ساهموا في جمع هذه المدونات بشكل جلي. بدأت حركة الجمع تقريبا في نهاية القرن التاسع عشر من دارسين فرنسيين، أولهم كان: جينرال هانوتو ، الذي جمع مختارات شعرية من 500 قطعة شعرية منذ 1867، كانت أول مدونة شعرية أمازيغية وقد كتبها بالحرف العربي، والحرف اللاتيني الفرنسي وترجمها إلى اللغة الفرنسية، كانت كتابا ضخما، يتيح القراءة لمن لا يتقن العربية أو لمن لا يتقن اللغة الفرنسية، ثم توالت مدونات كثيرة جدا عبر الزمن، وأول دارس جزائري جمع مدونات شعرية وعلق عليها وشرحها هو «بوليفة سيدي عمار سعيد» سنة 1904. جمع مدونة ضخمة جدا من نحو 350 قصيدة، وترجمها إلى اللغة الفرنسية، وعلق عليها، وكانت هي فاتحة لجيل جديد من أشهرهم على الإطلاق مولود فرعون، ومولود معمري، ويوسف ناسيب، وسليم شاكر. هؤلاء كلهم جمعوا مدونات شعرية من مختلف القرى ومن مختلف المناطق وفي الغالب يترجمونها إلى اللغة الفرنسية أو يعلقون عليها.

> هذا الجمع لتراث المشافهة ولنقل الشعر، تأخر حتى نهاية القرن التاسع عشر، هل يعني أن الثقافة الأمازيغية هي ثقافة كلمة وليست ثقافة تدوين؟

– فعلا، هذه ملاحظة في محلها، يمكن أن نقول إن المشافهة هي تقريبا سمة نوعية مؤسسة للثقافة الأمازيغية، صحيح أن أسلافنا أبدعوا حرف «التيفيناغ»، وهو الخط الأمازيغي الذي تُكتب به الأمازيغية، وهو من أقدم الخطوط. وهناك رأي يعيد «التيفيناغ» إلى القرن 15 قبل الميلاد، يعني أنه حرف موغل في القدم، ولكن للأسف لم نُبدع شيئا بهذا الحرف، كأننا ابتدعنا الحروف الأبجدية ولكن لم نسجل بها أشعارنا وحكاياتنا وقصصنا وأساطيرنا، على خلاف إخوتنا السومريين والأكاديين والكلدانيين والآشوريين والبابليين الذي أبدعوا الخط وكتبوا بالخط المسماري باللغة الأكادية مثلا «ملحمة غلغامش» التي تعود إلى 2700 قبل الميلاد، على خلاف الأمازيغ أبدعوا حرفا ولكنهم لم يتركوا لنا أو يخلفوا شيئا ذا بال في الكتابة، وأكثر من ذلك كأن ثمة لعنة تاريخية على هذا المجال، فمعظم المثقفين الأمازيغ الذين كتبوا عبر التاريخ كتبوا بلغة الآخر، لدينا أمازيغ كتبوا باللغة اللاتينية، باللغة اليونانية، باللغة العربية وهم كثر، ولكنهم لم يكتبوا في التيفيناغ الحرف الأمازيغي، فبقيت الثقافة الأمازيغية شفهية كما تفضلت.

> كباحث ودارس وشاعر كيف كانت مكانة المرأة في الشعر الأمازيغي؟

– لا يوجد شعر في العالم لم يحتف بالأنوثة بالمرأة، بالجمال، فالشعر الأمازيغي على مختلف لهجاته يحتفي بالمرأة كثيرا جدا، ويتغزل بها، وكما يوجد غزل عذري وغزل ماجن في الشعر العربي أيضا له نظيره بالشعر الأمازيغي، ولو أن الغزل الماجن يدور في حلقات ضيقة، الباحث عليه أن يسعى للعثور عليه لأن الناس بفعل محافظتهم لا يعطون تلك المدونات ولا يروون هذا الشعر إلا في حلقات ضيقة، ولكن أنا خلال تحضير رسالة الدكتوراه على «الشعر الشفوي القبائلي» وجدت مدونات كثيرة جدا يمكن أن تسمى شعرا ماجنا، أو على الأقل فلنقل إنه شعر جريء يسمي الأشياء بأسمائها.

لكن الشعر العذري موجود كثيرا جدا، يحتفي بالمرأة وبجمالها. الشعر العربي يشبه المرأة الجميلة بالغزال، وفي الشعر الأمازيغي تشبه المرأة القبائلية بالحمامة، وأحيانا بالحجلة. والحجلة بالشعر الأمازيغي تعادل الغزال في الشعر العربي. وأحيانا تنوب كلمة حجلة عن كلمة امرأة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*