حماسة لوليّ العهد… وخوف عليه ومنه!

سركيس نعوم
20 تشرين الثاني 2017 | 00:00

ينظر الكثيرون من العرب والأجانب بإعجاب إلى وليّ عهد المملكة العربيّة السعوديّة الأمير محمّد بن سلمان ليس فقط بسبب شبابه وحماسته، بل أيضاً بسبب مشروعه الداخلي الطموح الذي يهدف إلى تأسيسٍ ثانٍ لدولته يماشي العقد الثاني من الألفيّة الثالثة من حيث التنظيم والحداثة والتأثير وخصوصاً في الإقليم وهي ركن أساسي فيه. فهي دول الحرمَيْن الشريفين ومرجعيّة أولى بصفتها هذه في العالم. وهي دولة الثروات الطبيعيّة الضخمة جدّاً مثل النفط والغاز والمعادن على تنوّعها. كما أنّها دولة الشباب ودولة العلم الحديث الذي نهلوه من جامعات أميركا وأوروبا وغالبيّة دولة العالم، والذي لم تتمّ الإفادة منه على نحو يجعل المملكة الدولة الأولى عربيّاً أو إحدى الدول الأولى في الشرق الأوسط. لكنّها لم تصبح دولة المؤسّسات العامّة رغم النمو الكبير للقطاع الخاص فيها والتحديث الذي تعرّض له. بقيت عقوداً عدّة دولة ردّ الفعل وليس الفعل، ودولة الاعتماد على القيم العربيّة والدينيّة ليس داخلها فقط بل أيضاً مع الدول العربيّة والإسلاميّة الشقيقة، التي اعتمد معظمها ولا يزال سياسة المصالح من عامّة وخاصّة مُسترشدة بالكثير من “قيم” مكيافيللي. وهي لم تمارس سياسة الهجوم إلّا دفاعاً عن النفس، واعتمدت بدلاً منها سياسة الانكفاء حماية للذات أي للنظام والشعب عند الأخطار. كما خضعت كثيراً لسياسة الابتزاز.

المملكة العربيّة السعوديّة هذه يريد وليّ عهدها الشاب أن يُغيّرها. فوضع “رؤية 2030” وبدأ العمل على تنفيذها، وفيها جوانب اقتصاديّة وأخرى اجتماعيّة بالغة الأهميّة. وبدأ تنفيذ سياسة مواجهة التطرّف الديني ثم المذهبي الإسلامي التي وضعته وستضعه أكثر مستقبلاً في مواجهة مع “العلماء” الذين هم شركاء في الدولة وفقاً لما يمكن اعتباره “عقد” التأسيس الذي “وضعه” معهم الملك المؤسّس عبد العزيز آل سعود. أمّا في الخارج الإقليمي فإن هدفه هو اعتماد الهجوم بدل الاكتفاء بالدفاع والانكفاء، ومن هنا حربه المباشرة مع حلفاء خليجيّين على اليمن، ومن هنا صراعه مع قطر، ومن هنا قراره مواجهة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة التي استفادت من الاسترخاء السعودي، ومن غياب خطط واستراتيجيّات وسياسات تطبيقيّة لها لتنفيذ مشروعها التوسّعي الطموح الذي يكاد أن يصل إلى خواتيمه في رأيها، وهي مواجهة مباشرة وبالوكالة في وقت واحد. وفي الخارج الإقليمي أيضاً طبّق وليّ العهد الشاب المقولة الشهيرة: “عدوّ عدوّي صديقي”. فاستفاد من سلام مصر والأردن مع اسرائيل ومن سلام أوسلو المستحيل التنفيذ بين الأخيرة والفلسطينيّين، ومن وصول “الصديق” بل الحليف دونالد ترامب إلى رئاسة أميركا لنسج علاقة وآخرين من أشقّائه الخليجيّين مع “الدولة العبريّة”. وكل من الاثنتين أي المملكة وإسرائيل تحاول الآن تحقيق أقصى المكاسب من الأخرى من دون التنازل عن جوهر القضايا الخلافيّة بينهما ولا سيّما العربيّة منها. وأميركا ترامب هذه التي تختلف أحياناً مع أميركا إدارته تعتبر السعوديّة خطّاً أحمر ممنوعاً تجاوزه مثلما تعتبر إسرائيل. علماً أن الثانية قد تكون إضافة استراتيجيّة لأميركا لأسباب عدّة معروفة، في حين أن الأولى قد تكون عبئاً رغم محاولة قيادتها الحاليّة الارتقاء إلى الحليف الموثوق والقادر في وقت واحد.

طبعاً يتمنّى محبّو الاستقرار في لبنان والمنطقة أن ينجح في نقل “مملكته” من عصر إلى آخر أكثر حداثة. لكنّهم يخافون عليه ومنه انطلاقاً من خوفهم على أنفسهم. والمهمّات الإصلاحيّة التي قرّر تنفيذها كثيرة ومتشّعبة. وهي قد تثير ردود فعل سلبيّة عند المتضرّرين من المتشدّدين دينيّاً مُتابعي “علمائهم” عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وعند المتضرّرين من الضرائب والرسوم وخفض النفقات ومن الفساد الذي يقول أنه يكافحه الآن. وهؤلاء تعوّدوا على رعاية الدولة لهم من “المهد إلى اللحد”. كما قد تثير ردود فعل الليبراليّين الذين ليسوا نسخة طبق الأصل عن ليبراليّي الغرب، لكنّهم يطمحون إلى ممارسة سياسيّة فيها شيء من الحريّات والديموقراطيّة والمحاسبة والمساءلة… والانتخاب. فضلاً عن أن الوضع الاقليمي متأزّم جدّاً والدولي أكثر تأزّماً. ووليّ العهد قد لا يستطيع أن يحمل عشر بطيخات في يد واحدة وحتى في اثنتين. أمّا المُعادون للمملكة وخصوصاً في المنطقة فيتمنّون طبعاً فشل الأمير محمد بن سلمان لكن عليهم أن يعرفوا أن فشله لن يتحوّل آليّاً ربحاً لهم. وهم يعرفون ذلك إلّا إذا طغى عليهم الغرور ونشوة الانتصار، وإذا ظنّوا أن أميركا وإن متراجعة مع أوباما وترامب ستقبل أن تُهزم على يدهم.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*