حكومة الشباب ، فاصل موقت في مسيرة نظام

 

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه داود الصايغ في “النهار” بتاريخ 8 شباط 1995 حمل عنوان: “حكومة الشباب” فاصل موقت في مسيرة نظام”.“حكومة الشباب”

النهار
17092017

فاصل موقت في مسيرة نظام داود صايغ يتابع الدكتور داود صايغ في هذه الحلقة الثانية دراسته حول الفساد والنظام اللبناني. وكان تناول في الأولى الفساد في الغرب وفي لبنان منذ الاستقلال. قوة الاستيعاب وهكذا فان ولاية الرئيس شمعون عام 1952 بدأت بالحديث عن الاصلح. لان الولاية الثانية للرئيس بشارة الخوري لم تكتمل، والرئيس الاستقلالي الاول اضطر الى الاستقالة في ايلول 1952 اثر ظروف معينة، ولم يكن قد انقضى على ولايته الثانية سوى ثلاث سنوات. وهكذا فان الحديث عن الاصلاح بدأ منذ البيان الوزاري الاول لحكومة الامير خالد شهاب الذي تضمن في اطار تعهدا باعداد قانون لمعاقبة “الاثراء غير المشروع” والذي صدر بعد عدة اشهر من ذلك في اطار المراسيم الاشتراعية التي اصدرتها الحكومة بتاريخ 18 شباط 1953 ، وهو كان ولا يزال قانونا متقدما في مضمونه ووسائله على رغم انه لم يطبق حتى الآن.

وكان لافتاً لمن يراجع جلسات المناقشة يومذاك، اي قبل 43 سنة، ان يلاحظ المواضيع المثارة هي ذاتها في الغالب امس واليوم، كدليل على جمود معظم القضايا العائدة لتسويات النظام ولموضوع الفساد بالذات، على رغم ان بعض الاصوات ارتفع وعالج الموضوع ودل على طريق الاصلاح. يومذاك ارتفع صوت حميد فرنجيه في 9 تشرين الاول 1952 ليقول: […] لقد شبعنا وشبع الناس من هؤلاء المرشحين “الرحل” الذين ينتقلون بالمناطق ولا رأس مال لهم الا حقيبة مملوءة بالمال. ارجوكم ان تضعوا تشريعا زجريا يلغي فورا كل انتخاب يمكن ان يكون قد تدخل فيه المال […] لقد رأينا ان المجلس السابق صادق على انتخابات ظهر فيها التزوير ولم يبق لنا الا ان نجعل القضاء العادل المنزه يضمن حرية الانتخاب، مع العلم ان هذه الطريقة ليست بدعة، ففي بريطانيا مثلا توجد هيئة عدلية تنتقل فورا الى المنطقة التي تحصل فيها الشكوى ويكون حكمها مبرماً”.

وتكلم غسان تويني يومذاك، بعد حميد فرنجيه، ليؤيد دعوته الى صون التمثيل النيابي، داعيا في الوقت نفسه الى خفض سن الاقتراع من 21 الى 18 سنة للافساح في المجال امام الذين “لم تصل الى نفوسهم معالم الفساد والافساد”، وتابع يقول “ان الشعب ثار وقام بحركته الاخيرة من اجل الاصلاح، والاصلاح الاشتراعي لا يكفي لاجابة رغبات الشعب. لان الشعب لا يأكل من الاشتراع وحده بل هو في حاجة الى ان ينعم بحرية واسعة وان يؤمن له العمل والعدل، والشعب ينتظر من هذه الحكومة في ما ينتظر ان تقوم بعملية تطهير الجهاز، وان يطاول هذا التطهير اناسا من خارج الجهاز وكل من اثرى على حساب الشعب وكان شريكا في اشاعة الفساد والفوضى”.

وتكلم بعد ذلك كمال جنبلاط، مؤيدا زميليه فرنجيه وتويني مضيفا: “[…] ان الشعب يرمي الى التخلص من فئة يمكن تسميتها بالممتهنين السياسيين الذين يعتبرون ان السياسة مهنة او بقرة حلوب يجنون من ورائها المغانم وقد يكلفونها اكثر من طاقتها شرط ان يوسعوا لها العلف […] جئتم لتطهير الدولة من نكبة المتسوسين السياسيين ولترجعوا الادارة الى مستوى يليق برجال السياسة، والرجال الذين اقصدهم رجال الدولة بكل معنى الكلمة الذين يعتبرون السياسة رسالة ونهجا قويا”. اما حكومة صائب سلام السياسية التي تلت حكومة خالد شهاب، فقد ورد في بيانها الوزاري سطر واحد يقول: “وتؤكد الحكومة انها عازمة على تطبيق قانون الاثراء غير المشروع دون اي تحيز او وهن”.

ومن ثم اخذ موضوع الفساد يستوعب تدريجياً في الصراع السياسي والبرلماني. ويكفي ان نعرف ان حكومة صائب سلام تلك منحها الثقة يومذاك 37 نائبا وحجبها 31 نائبا، وهي لم تعمر اكثر من اربعة اشهر فقط (بين 30 نيسان 1953 و16 آب من السنة نفسها) لندرك ان القوى السياسية اعيد فرزها، اذ ان حاجبي الثقة عن حكومة سلام تلك كان معظمهم من مؤيدي الحكومة السابقة. وبالاجمال تميز عهد الرئيس شمعون بعدم استقرار حكومي بدليل عدم تعمير الحكومة اكثر من ستة اشهر، اذ بعد سلام ألف الرئيس عبدالله اليافي حكومتين متتاليتين ثم الف الرئيس سامي الصلح حكومتين متتاليتين ايضا، ثم وصل الرئيس رشيد كرامي للمرة الاولى في 19 ايلول من العام 1955 لتبقى حكومته حتى 19 آذار 1956 فقط. ومن بعدها عاد اليافي مرتين متتاليتين ثم سامي الصلح لثلاث حكومات متتالية عايشت آخرها احداث 1958 .

فاثناء ولاية الرئيس شمعون (1952 – 1958) تألفت 12 حكومة اي ما معدله ستة اشهر لكل حكومة، حيث كانت الحكومات تستهلك من الداخل وتسقط. وتاليا كانت برامجها قصيرة الامد حتما، ولم يكن في مستطاع اي منها، نظرا لعدم الاستقرار الحكومي، وتوالي الوزارات، ان تكون لها قدرة على المحاسبات، وعلى الاصلاح والتطهير، ما دام الصراع السياسي والحزبي والشخصي هو المسيطر، في حقبة يحاول فيها النظام ممارسة الديموقراطية والبرلمانية في ما يعود الى الداخل وتحقيق عدد من الانجازات الاجتماعية والعمرانية والتربوية، وان تبقى له عين على الخارج مثل “التعاون الاقتصادي مع سوريا” كما جاء في نص البيانات، وبداية صعود الناصرية، وازمة السويس عام 1956 ، والقانون الانتخابي الجديد مع تصغير الدائرة الانتخابية وانتخابات 1957 التي مهدت للاحداث. وهكذا خرج موضوع الفساد من اطاره القانوني والاخلاقي، واستوعبه النظام اللبناني، اقله في تلك الفترة.

وما بدأ في عهد الرئيس شمعون لم يستكمل. غسل الماضي عام 1958، مع الحكومة الاولى بعد الاحداث، كانت طبيعة المرحلة تقضي عدم فتح الملفات. ولذا كان البيان الوزاري لحكومة الرئيس كرامي شديد الاقتضاب لا يتضمن اي اشارة الى موضوع الفساد “والعهد البائد” بالنظر الى اعتبارات الوحدة الوطنية التي تألفت على اساسها حكومة الاربعة (كرامي، اده، عويني، الجميل) فقال كرامي في بيانه: “[…] ولست بحاجة للعودة الى الماضي، فقد عقدنا العزم على غسل هذا الماضي”. وكان هم الجميع يومذاك اعادة نشر الامن والطمأنينة “ليشعر الجميع بان هذا الوطن هو بلد المحبة والتسامح والاخاء…” ففي الظروف المعروفة التي انتهت فيها ولاية رئيس الجمهورية عام 1958، لم يكن في امكان عهد الرئيس فؤاد شهاب ولا في نية الرئيس نفسه على كل حال، فتح ملفات العهد السابق، لان الانتقال لم يحدث بسلام، بل بأحداث امنية هددت البلاد كلها. لكن الرئيس شهاب مضى، كما تقدم، في عملية بناء واصلاح في الاساس، بعيدة عن محاسبة الاشخاص.

ثم ان حكم شهاب كله كان متوجها الى اهتمام آخر. فأخذت الحكومات تستقر، وبقيت حكومة كرامي الثانية (بعد حكومتي سلام) من 31 تشرين الاول 1961 حتى 20 شباط 1964، وهي كانت اطول حكومة عرفها لبنان حتى ذلك التاريخ. فسهل تثبيت الاستقرار السياسي والاقتصادي في اجواء داخلية واقليمية مريحة، سمحت باجتياز لبنان حرب 1967 من دون ان يتأثر في حينه، وقبل ان يظهر في ما بعد ان نتائج تلك الحرب انعكست سلبا على لبنان، وخصوصا بعد احداث الاردن خلال عام 1970 ، حين واجه لبنان استحقاقا آخر في ايلول من العام نفسه بتغير رئيس الجمهورية، وانفتاح السبعينات على عناصر الانفجار الكبير الذي زعزع لبنان وانذر بزواله، ابتداء من مواجهات 1973، ثم بداية الحروب عام 1975 .

لكن لم يكن سرا على احد كيف كان الرئيس شهاب ينظر الى عدد كبير من افراد الطبقة السياسية القائمة يومذاك، وهو استمر يرسل كلماته اللاذعة باتهامهم حتى مطلع السبعينات، حين كان بعض زائريه يسمعه يردد احيانا: “ان السياسيين هؤلاء غارقون حتى اذنيهم. اما رشيد كرامي فهو في وضع مختلف…” تجربة حكومة الشباب بعد تجربة الاصلاح الاداري في عهد الرئيس شارل حلو، كانت النتيجة الايجابية الابرز ان هناك من يحاسب، وان الموظفين والقضاة والديبلوماسيين البارزين الذين صرفوا في عملية التطهير كان صرفهم في الحقيقة درسا لغيرهم. لان الادارة لم “تصطلح” طويلا من جهة، ولان المطلوب كان اكثر من الاصلاح الاداري. وهكذا، عندما تألفت حكومة الشباب “او حكومة المجهولين” في مطلع عهد الرئيس سليمان فرنجيه، تراءى للكثيرين يومذاك ان المجيء بحكومة من خارج المجلس، ومن خارج السياسيين، ويغلب عليها عنصر الشباب ينبئ بأن ثمة محاولة للتغيير وللاصلاح.

والحقيقة ان فرنجيه وسلام “البكوين” التقليديين لم يكونا من دعاة الثورات باي شكل من اشكالها؛ انما كانا، بحكم انتماءاتهما السياسية والعائلية من اركان الطبقة السياسية الممسكة بزمام النظام، وينظران الى لبنان وطريقة حكمه نظرة فيها من الوطنية بمقدار ما فيها من مصلحة الموقع الشخصي. وهي نظرة تحفظ للشخص والاقطاع والعائلة اهمية اولى بعيدا عن الاحزاب، والعقيدية منها خصوصا. فالرئيس فرنجيه كان يكره الاحزاب على انواعها، يمينا ويسارا، ويعتقد ان الشخص هو الاهم وهو البرنامج. والبرنامج يمكنه ان يكون بسيطا من نوع “وطني دائما على حق”. وهكذا عندما استدعي المرحوم الدكتور اميل بيطار للاشتراك في الحكومة يومذاك، وكان قد ظن انه استدعي للكشف على مريض، طلب بيطار ان يسأل اركان حزبه (1) اذا كانوا يقبلون ان يشترك في الوزارة، فابتسم الرئيس فرنجيه ودله على التلفون المجاور بشيء من اللامبالاة. واجرى بيطار اتصاله وبالطبع لم يكن هناك من مانع.

كان الرئيسان فرنجيه وسلام في حاجة الى مبادرة استثنائية، ليس حبا بالثورة اذاً، بل رغبة بتوفير بديل مقبول عن الشهابية التي حارباها وانتصرا عليها، وتقديم صورة عن الحكم مؤلف من غير الذين كان الرئيس شهاب، وكان لا يزال حيا، قد وصفهم بأكلة الجبنة. ولعل البعض لا يذكر ان العميد ريمون اده، الذي كان من ابرز محاربي الشهابية، حدد قبل ذلك الاخطار المحدقة بلبنان بثلاثة: الصهيونية والشيوعية والشهابية، وهذا يعطي فكرة للذين يجهلون واقع الحياة السياسية في تلك الفترة عن حدة الصراع الداخلي. وكان المكتب الثاني يومذاك، احد ابرز عوامل نقمة العميد اده وغيره من السياسيين وبعض الصحافة. ومع ذلك، وعلى رغم الصداقة ورفقة الطريق مع اده، لم يسلم فرنجيه وسلام بتوليته وزارة الدفاع في الحكومة الاولى، وقد يكون ذلك من الاسباب التي ساهمت في الحقيقة بتأليف حكومة من غير السياسيين التقليديين. وعلى كل، دلت التطورات اللاحقة ان الثورة لم تكن في الحسبان، ولم يكن من الممكن اعتبار تأليف حكومة من وجوه جديدة ومجهولة كافيا لاحداث ثورة، لان التطورات اللاحقة برهنت ان الاصلاحات البسيطة والعادية لم تكن بعد مقبلوة. كان هناك حسن استعداد مثل كل من يقبل على مهمة جديدة ليس اكثر.

فاستقال تباعا عدد من وزراء “حكومة الشباب” التي وصلت بصعوبة الى انتخابات 1972 . وألف الرئيس سلام بعد ذلك حكومة برلمانية دخل فيها السياسيون التقليديون، تماما كما كان يجب ان يحدث منذ البدء، من امثال كاظم الخليل، وصبري حماده، وجوزف سكاف، والامير مجيد ارسلان وسليمان العلي وميشال ساسين وبشير الاعور الخ…. وقد حاول بعض اعضائها اعادة النظر في وجود بعض المؤسسات التي انشئت في عهد الرئيس شهاب مثل مجلس الخدمة المدنية، لولا وقوف الرئيس فرنجيه شخصيا في وجه تلك المحاولات. من هنا يمكن القول ان “حكومة الشباب” التي تألفت في 13 تشرين الاول 1970، كانت فاصلا موقتا في مسيرة النظام السياسي آنذاك، علما بانها قد تكون فتحت الباب بعد ذلك، خصوصا بعد انقضاء عشرين عاما على وجود مجلس النواب اياه، امام وجوب تأليف حكومات من خارج المجلس، مع ظهور افرقاء سياسيين جدد في سنوات الحرب. وهي تكررت بعد ذلك وغدت امرا مألوفا خصوصا في بداية عهد كل رئيس جديد مثلما حصل مع الرئيس الياس سركيس ثم الرئيس امين الجميل.

لكن السياسة التقليدية ظهرت شديدة المناعة في بنية النظام، ليس فقط بدليل ان التقليديين هم الذين حسموا اللعبة في انتخابات 1972 والحكومة التي انبثقت عنها، بل قبل ذلك، وفي السنوات الاخيرة من الستينات. والا كيف يفسر انتصار التحالفات التي تمت في صيف 1970 ، على رغم خطورة الاحداث الجارية في الاردن وانعكاسها المباشر على لبنان، وقصور رؤية الكثرين في الداخل عما يجري، نتيجة انشغالهم الكامل بعملية تبدل الفريق الحاكم في لبنان؟ وهل كان هدف القضاء على الشهابية ورموزها يومذاك اهم من كل ما عداه؟ ان الاجابة عن هذا السؤال تدخل في باب التاريخ السياسي لنظام الحكم اللبناني. ولكن ما يهمنا هنا هو بالنتيجة التساؤل حول مدى ما تحقق من الاصلاح السياسي المنشود لصد التقليديين والحد من سيطرتهم، على نحو ما كانت ترمي اليه الشهابية، وفي ما يتجاوز لعبة الاصوات التي ظهرت في انتخابات 1970 الرئاسية، والفوز بفارق الصوت الواحد. تتبع حلقة ثالثة 1) الحزب الديموقراطي الذي كان من اركانه يومذاك، جوزف مغيزل وباسم الجسر واوغست باخوس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*