حكاية حارس العمارة

من المفارقة أن ألتقي في الوقت ذاته بأشخاص يعدون أنفسهم من نجوم المجتمع، لكنني أدرك من خلال أحاديثي معهم، بأن كثيرين منهم لم يكملوا قراءة كتاب واحد منذ سنين.

حميد سعيد
2018/11/17العرب
https://alarab.co.uk

حان وقت القراءة

حين أغادر شقتي في أحد أحياء عمّان، وبخاصة بعد الظهيرة، في طريقي إلى موعد ما، طالما لفت نظري أحد حراس العمارات، إذْ أجده في الكثير من الأحيان، يتصفح مجلة أو يقرأ كتابا، فأتمنى أن أتعرف عليه وأتحدث معه، لكنني كنت أتردد خشية أن يعدّ مثل هذا التصرف تطفلا مني، وهو منصرف باستمرار إلى دنياه في العمل والقراءة.

كان أحد معارفي يسكن العمارة التي يعمل فيها الحارس الذي لفت نظري، لكنني كنت ألتقي به في أوقات متباعدة، ثم حدثته يوما عما لفت نظري في حارس العمارة التي يقيم فيها، فاقترح علي أن أرافقه إلى العمارة المذكورة، وعند مدخلها، نادى الحارس، وكان اسمه صلاح، وإذْ جاء مسرعا، عرّفه بي، وقال له: إن صديقي يسأل عنك، وهو معجب بك، لأنك في أوقات فراغك من العمل، تنصرف إلى القراءة.

فابتسم وأجاب بحياء، أنا أحب القراءة، ولأن ظروفي لا تساعدني على اختيار ما أرغب في قراءته، تراني أقرأ ما يقع بين يدي من كتب وصحف ومجلات.

منذ ذلك اليوم، صرت كلما مررت به، حييته فيهرع إلي، فأسأله عما قرأ، وأحدثه عما قرأت، ثم بدأت أوفر له بعض الكتب والمجلات التي أكون قد انتهيت من قراءتها، فيفرح بها، فإذا التقينا ثانية، تأكدت أنه قرأها وقد يسألني عن بعض ما ورد فيها، فإذا أجبته حاورني في ما قلت، وأفصح عن انطباعاته التي ربما ذهب فيها إلى ما يخالفني في ما قلت.

وتطورت العلاقة بيننا إلى ما يمكن أن أعده صداقة، وصار يفتح لي قلبه، وعرفت منه أنه ولد وعاش مع أسرته في أحد الأحياء القاهرية العريقة، وكان والده موظفا حكوميا، توفاه الله وهو دون الخمسين من العمر، وترك زوجة وثلاث بنات وولدا واحدا هو صلاح الذي أكتب الآن عنه.
حين توفي والده كان صلاح في السنة الجامعية الأولى، في إحدى كليات جامعة الأزهر، وواصل دراسته في ظرف اقتصادي عسير، وخلال العام الثاني من دراسته الجامعية، خطبت شقيقته الكبرى ولم تكن والدته تمتلك ما ينبغي على الأسرة من مشاركة في متطلبات الزواج، فقرر من دون أن يخبر والدته، أن يترك الدراسة ويتوجه إلى الأردن بحثا عن عمل، ولم يجد فرصة عمل غير أن يعمل حارسا في إحدى العمارات السكنية، ورغم قلة الدخل الذي يحصل عليه من عمله هذا الذي استمر فيه ما يقرب من ست سنوات، غير أنه استطاع أن يمدَّ والدته بما ساعدها على أن تؤدي ما على الأسرة من مشاركات في تزويج شقيقاته الثلاث.

وحين سألته يوما، إن كان يحن إلى أيام دراسته الجامعية، قال: إنني الآن أكثر سعادة ورضا عن النفس مما لو واصلت دراستي ولكنني منذ أن اضطررت إلى مغادرة الجامعة، صرت أكثر حرصا على القراءة والتعلم والتوسع في معارفي، ومن المفارقة أن ألتقي في الوقت ذاته بأشخاص يعدون أنفسهم من نجوم المجتمع، لكنني أدرك من خلال أحاديثي معهم، بأن كثيرين منهم لم يكملوا قراءة كتاب واحد منذ سنين.

في أحد الصباحات، فاجأني وعلى غير عادته، إذ جاءني إلى المقهى وأعاد لي كتابا بأجزائه الثلاثة، كان قد استعاره منّي، هو “جامع الدروس العربية” للشيخ مصطفى الغلاييني، وقال لي: جئت مودعا، إذ قررت العودة إلى مصر، وأود أن أخبرك بأنني صورت هذا الكتاب وسأحمله معي، ثم ودعني على عجالة.

لقد عاد صديقي صلاح إلى مصر منذ أسابيع، وما زلت أتذكره وأتحدث عنه، وأرى فيه حالة إنسانية فريدة، بل ما زلت كلما مررت بالعمارة التي كان يعمل فيها، نظرت إلى حيث كان يجلس، وكأنني على موعد معه، ليحدثني عن آخر قراءاته، وما زلت أنتظر منه رسالة كما وعدني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*