حق الاحتفال


سمير عطاالله
04102017
النهار

فلنحتفل، نحن ايضاً. فقد اصبحت منذ 1975، ملحقاً آخر من ملحقات لبنان: افريقيا للتجارة. دبي للوظائف العلمية. وكندا للأطباء والمهندسين والمتخرجين الآخرين. على ذلك، لا تكون هي موطن الشعب الأكثر سعادة، بل نحن: بلد يصدِّر الشباب بدل التفاح، مزوداً بيت سعيد عقل الشهير:

“ومن الموطن الصغير نزود الأرض / نذري في كل شط قرانا!”

ما هو سر كندا، هذه البلاد الثلجية الجليدية القطبية ما بين المحيطين، الاطلسي والهادي؟ ليس هذا بحث، ولا دراسة. هذا مجرد انطباع عن بلد عشت فيه عامين سعيدين بكل شقائهما. وسر كندا، الاعتدال في كل شيء، إلا الشتاء الأبيض الطويل. وسرها أنها تتحاشى أن تكون مثل جارتها الكبرى. فهي ليست فيديرالية، بل كونفيدرالية، والإثنتان من ايام الرواد والتأسيس. وهي – بعكس اميركا- لم تقم من الثورة، الريفوليوشن، بل من الترقي، ايفوليوشن. وعندما انشقّت عن بريطانيا، لم تبق مملكة، بل صارت شيئاً شبيهاً يدعى “الدومينيون”، مثل المملكة فيه “حاكم عام”، امرأة أو رجل، صينية أو ابيض، أو سيدة من هايتي.

ليس للحاكم العام، مثل ملكة بريطانيا، التي كان يمثلها، أي صلاحيات سياسية. لكن له – لها – أن يكون وجه البلاد. كما حدث ايام السيدة ادريين كلاركسون (1999 – 2006) المولودة في هونغ كونغ بملامح صينية وابتسامة طفولية دائمة.

لا أذكر في أي عام ذهب كبير مراسلي “البي. بي. سي” انطوني سامبسون لإجراء مقابلة معها في مقر الحاكمية في أوتاوا. فيما هما يتمشيان في الحديقة البيضاء بكل شتاء كندا، تطلع الى معطفها الوردي المطرز وقال: “معطف جميل”. وضحكت فتاة هونغ كونغ السابقة ملء طفولة العالم وتواضعه وقالت: “أوه، إنه هدية من زوجي قبل ثلاثين عاماً”.

فقط في كندا يمكن ان تسمع مثل هذه الجملة في دوائر الحكم، في اعلاه أو في سواه. انديرا غاندي كادت تطرد ضيفتها جاكي كينيدي من شدة غيرتها. ونانسي ريغان كرهت ضيفتها رايسا غورباتشيوف لشعورها بالدونية أمام المفكرة الروسية. وهذه الصينية التي تشبه البطلة في الحب شيء كثير الروعات، تلامس صدر معطفها الموشى ضاحكة: “هدية زوجي قبل ثلاثين عاماً”.

كما يصور الفرنسيون “ماريان” رمزاً لهم، يبدو لي ان ادريين كلاركسون، صورة كندا. الصينية التي تصبح حاكماً عاماً، أو السيخي الملفوف الشعر مثل قبة، الذي يصبح وزيراً للدفاع، في بلد 20% من مواطنيه مولودون في الخارج.

العام 1960، الغي قانون الهجرة الذي كان يعتبر اللبنانيين من الجنس الأصفر ويحد من دخولهم. كانت كندا تخشى ان يطحنها النموذج الاميركي المحاذي، وأن يبث فيها الفرقة. لذلك، تهربت، أو تسللت، بعيداً من مثال جارتها. لم تخالف سياسات أميركا في العالم، لكنها فضلت أن تشارك في حروبها من طريق الأمم المتحدة: هي قوة “دولية”، لا اميركية شمالية. وهي متضامنة مع واشنطن، لكنها متقاربة مع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الأمّين.

ليس أنه بلد يتسع للمزيد من الملايين، بل لأنه نظام يتسع للمزيد من الرحابة والاستيعاب. أعلن دونالد ترامب تضييق الهجرة، فأعلن ترودو الأصغر فتح الحدود أمام السوريين. نحو 45 ألفاً منهم حتى الآن. إنها الليبرالية الاحتضانية التي بدأها بيار اليوت ترودو، الشخصية التاريخية الأكثر اشراقاً في بلد على هامش الدول المنخرطة في سياسات العالم.

ليس هناك تاريخ واحد لكندا. ففيما تحتفل الدولة بقرن ونصف قرن، تحتفل مدينة مونريال بـ 375 عاماً على تأسيس اكبر واجمل مدينة فرنسية في أميركا الشمالية. استعمرت بريطانيا وفرنسا قارات كثيرة، وتقاسمتا الطرائد، كما فعلت البرتغال واسبانيا. لكن كندا كانت الوحيدة التي ولدت من رحمين. وبدل إبقاء هذه الثروة النادرة، يحاول انفصاليو كيبيك اهدارها منذ نصف قرن. وقد هُزموا في استفتاءين أجريا حتى الآن، ولكن بأكثرية ضئيلة ومعرضة للزوال.

تقوم “فلسفة” الدولة ليس على صهر الجذور، مثل اميركا، بل على تأكيدها. للعرب أن يبقوا عرباً، وللصينيين أن يظلوا كونفوشيين، ما داموا جميعاً يحترمون قانوناً واحداً وتقاليد إنسانية واحدة. فإذا علق سنجاب في الحديقة العامة، وأعلنت حالة الطوارىء الفورية، فإن فرقة الشرطة التي تهب لإنقاذه لها ملامح أهل القارات الخمس.

خلال الحرب الباردة، تملصت كندا من التزامات الجوار باللجوء الى دور الوسيط بين الفريقين. وأقامت نظاماً اجتماعياً وسطاً ما بين الرأسمالية والشيوعية. وفي العام 1957 أعطي وزير خارجيتها لستر بيرسون جائزة نوبل للسلام لوضعه خطة سلام في حرب السويس، حيث اتخذت أميركا وبريطانيا موقفين متعاديين. ومنذ ذلك الوقت، وحتى انهيار الاتحاد السوفياتي، احتمت من الانحياز خلف صفة “قوات حفظ السلام”.

مثل “المسرح التجريبي”، لا يزال بعض علماء السياسة ينظرون إلى الأمة الكندية على انها تجربة في الأمم. بلد يهفو إليه المهاجرون، حتى من أميركا، لكي يتمتعوا بأعلى مستويات المعيشة والاستقرار. وسرعان ما تنبسط سبل الوحدة أمام القادمين من مجتمعات منقسمة مثل لبنان، تحمل معها تخلفها وغرائزها، التي لا تلبث أن تبدو مضحكة وتافهة في مرآة كندا الرحبة بلا حدود، والمسورة بالضوابط.

تبدو كندا مثل مملكة كاميلوت. وكم كانت ادريين كلاركسون تشبه الملك آرثر: “أوه، إنه هدية من زوجي قبل ثلاثين عاماً”. أو أن تشاهد بيار اليوت ترودو، تقريباً كل يوم، يذهب إلى الغداء في مونريال، في مطعم لبناني صغير: “دينر” من النوع الذي تُركَّب عليه النكات في المسلسلات الهزلية.

بلد بلا عناوين مثيرة. بلا هموم يومية، يلغي فيها المجلس الدستوري ما يقره المجلس التشريعي. كم زعلنا من الرئيس الياس الهراوي عندما قال “إننا شعب لم يبلغ سن الرشد”. إننا مدينون لك بألف اعتذار. كان يرى لبنان من داخل النفق الطويل، ويصرف ثقل الناس والقضايا والخيبات، في حس ساخر وبراعة مطبوعة.

إذ يتزعزع العالم العربي تحت هدير الغرائز والمذاهب والأعراق، أتأمل دوماً النموذج الكندي و 150 عاماً من الألفة والتقدم والازدهار. بلد دخل فيه شيعيان ولدا في لبنان، مجلس الشيوخ. وعدد آخر من اللبنانيين دخل تلة البرلمان الفستقية اللون. وقبل فيضان المهاجرين وعاداتهم، كانت بطاقة الهوية من دون صورة: المواطن أكثر صدقاً من القانون. وأكثر ثقة مهما كان ضعيفاً.

مثل مملكة كاميلوت. أو مثل سويسرا. ولولا الجغرافيا، لكانت جزءاً من اسكندينافيا واشتراكيتها، الأكثر قرباً إلى قوانين الجنة من قوانين الأرض. والحمد لله على وجود الملحقات. نتذكرها مع كل إحصاء جديد عن سفر الشباب.

تحتفل كندا بمرور 150 عاماً على الاعلان الدستوري الذي بدأ بأربع مقاطعات وانتهى الى ثانية اكبر دولة في العالم بعد روسيا، وإلى الوطن الأكثر سعادة، وفق مقاييس الأمم المتحدة واحصاءاتها كل عام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*