حقّ العودة: لا أحد يغادر باريس يوماً… لا أحد تغادره باريس يوماً

كاتيا الطويل
النهار
29102017

أوضّب الشمس داخل حقيبتي وأتحضّر للتوجّه إلى المطار. ليس هناك ما هو أهمّ من الشمس لآخذه معي. لا كشك، لا خبز مرقوق، ولا حتّى الصعتر الأسطوريّ. ألملم خيوط دفء تشرين البيروتيّ الساذج خيطًا خيطاً وأضعها في كعب الحقيبة وأخشى أن تظهر على شاشات المراقبة في المطار لئلاّ يجبروني على إعادتها.

أحشر ضحكاتي الصيفيّة داخل خزانتي وأتركها في #بيروت. لن أستعملها في القريب العاجل. في باريس لا ضحكات تزعزع هدوء المقاهي. في باريس لا أحد يجرؤ على شقّ ستارة الأناقة الاجتماعيّة الشمطاء.

أفرح بالعودة إلى #باريس. أتوق إلى لقاء الشوارع الأنيقة والمترو المزمجر وقاعة الرياضة الصامتة صمت القبور. أعد نفسي بأنّي سأقوم بالأمور بشكل مختلف هذه المرّة. أوهم نفسي بأنّي قادرة على تطويع باريس وحملها على أن تتبنّاني. غروري الفرنكوفونيّ الصغير لم يفقد الأمل بعد.

قلبي يخفق بسرعة. أسمع همسات الفرنسيّين الجالسين قربي على مقاعد الطائرة وأتذكّر أيّامي الباريسيّة الرماديّة. كلماتهم وحدها تثير الرعشة في جسدي. كأنّ هواء باردًا راح يعصف داخل الطائرة. أحاول أن أبتسم لهم بمودّة. يشيحون بنظرهم عني. بيروت نفسها عجزت عن ترويض لا مبالاتهم. لا بأس! أهدهد صوت ماجدة الرومي داخل رأسي. لا تزال بيروت ستّ الدنيا وإن لم يبتسم لكِ الباريسيّون.

دقّات فرح ممتزجة بدقّات حزن. إنّه يوم العودة إلى أحضان باريس. “أضحك على نفسي” عن وعي وأسمّيها عودة إلى أحضان باريس، لكنّي أعلم في قرارة نفسي أنّه لم تكن هناك يومًا لا أحضان ولا من يحزنون. يا لها من صورة بلاغيّة وهميّة. لكنّي فعلاً سعيدة لسبب أعجز عن فهمه. سعيدة سعادة امرأة تستعدّ للقاء زوج حاول تسميمها وعندما لم ينجح قرّر سجنها في قبو منزلهما الزوجيّ وتجاهل وجودها.

تقلع الطائرة، تغطّ الطائرة، وأنا لا أزال أمرّن وجهي على التماسك والتجهّم والكفّ عن الابتسام. أعيد حرف الراء إلى نصابه وأنسى راء داليدا العربيّة. أُخرج كنزتي السميكة من حقيبتي وألتحف بها. الحرارة في الخارج تسع درجات. لا بأس. إنّه تشرين الباريسيّ الغدّار.

أرى باريس من فوق. مدينتي الأنيقة لا تزال في انتظاري بشموخها الذهبيّ. أتأمّلها بصمت وأعجز عن رفع نظري عن النافذة. باريس من فوق هادئة ساكنة. عجرفتها لا تطالني. أضواؤها لذيذة. باريس من السماء طفلة أريستوقراطية متمسّكة ببرجها وأوراقها البرتقاليّة المتحضّرة للشتاء. شارل ديغول يتقلّب في قبره لاستقبالي. أنا الابنة الضالّة العائدة.

خطوات أولى خارج الطائرة تعيد الأمور إلى نصابها. سجّادة زرقاء باردة وجُمَلٌ أوتوماتيكيّة تُنزِل عليَّ التعليمات نزول الوصايا العشر على موسى. أسير في الصفّ، أقف بين الجموع، أنتظر دوري بصبر. لا معاملة خاصّة لي. لستُ الابنة الضالّة تمامًا… لن أكونها يومًا.

يلفحني هواء باريس وأشعر بدموعي تترقرق في عينيَّ. ليس البرد سبب دموعي هذه المرّة. إنّه الحنين إلى باريس. حنين لم أكن على دراية بأنّه مقيم في أحشائي. إنّها دموع لمّ الشمل. أجرّ حقيبتي بنفسي، فلا رجال لطفاء هنا بزيّهم الأزرق ليحملوا عني أشيائي. تمرّ باريس أمام عينيَّ وأفرح لعودتي إليها. لا أحد يغادر باريس يومًا. لا أحد تغادره باريس يومًا.

أفرح لعودتي وأبتسم ابتسامة صغيرة خجلى. ليست العودة إلى باريس حقًّا… العودة إلى باريس واجب. أَلَمٌ يعشّش بين العظام ويحوّل الإقامة في أيّ مكان آخر إلى مجرّد قاعة انتظار قبل العودة إليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*