حقاً، ثمة ما يُدمع


سمير عطاالله
النهار
15112017

العام 1970 تولى قابوس بن سعيد الحكم في ما كان يعرف بسلطنة مسقط وعمان بعد إقصاء والده في حركة هادئة لا سيوف فيها ولا رؤوس ولا أبراج دبابات. ومع تولّيه، خرجت
عُمان من القرن السادس عشر (تقريباً) لكي تبدأ الدخول الى القرن العشرين. الغى خريج ساندهيرست البوابات التي كان يغلقها والده بعد السادسة مساء، ويبقي المتخلفين خارج اسوار مسقط، وراح يضيء المدينة بالكهرباء، وفتح المدارس، وأخذ يبني بلداً معاصراً هو اليوم من اكثر بلدان العالم الثالث تطوراً، ومن اكثرها استقراراً.

سألت يومها عن صديقي عبد العزيز الرواس، فقيل إنه في نزوى، على بعد ساعتين، في جولة على البلاد مع السلطان. قررت القيام بالرحلة وفي ذهني ان أرى الفارق في النظافة (في بلد عربي) بين الريف والمدينة. لا فرق. لكنني لاحظت شيئاً جوهرياً: قابوس، الذي لا يخرج في زيارات رسمية الى أي مكان، ولا الى الأمم المتحدة، أو القمم العربية، لا يكف عن التجوال في الداخل.

لم يعزل السلطنة عن العصر والتطور والازدهار، مثل والده، لكنه عزلها، بقرار محكم، عن نزاعات العرب ونزعاتهم وفوراتهم.

عادت اليَّ عُمان الآن وأنا اتأمل ماذا حل بنا وبالعرب الذين قرر قابوس يومها الابتعاد عنهم. وأحب أن اعترف وأقرّ بأن سياسته كانت تقلق البعض، وتنفّر البعض الآخر. وكان ابتعاده يثير الشبهات، وليس أسهل منها في العالم العربي. وعندما قرر العرب طرد مصر بعد كمب ديفيد، رفض الانضمام إليهم. وقلت يومها لعبد العزيز الرواس: ألا تخجل عُمان من الخروج على الأكثرية العربية؟ قال اليساري السابق، الذي أصبح أحد أركان الحكومة: “نحن هنا نفضل ان نقرأ التاريخ من زاوية المستقبل. لن تسمع “هوبرة” في شارع مسقط، ولن ترى إلا اناساً يعملون”.

تذكرت كلامه مرة أخرى بداية “الربيع العربي”. يومها نزل بضع عشرات من الشبان الى شوارع العاصمة، ربما للمرة الأولى في تاريخها، قبل السور وبعده. وكادت التظاهرات تكبر قليلاً. وبدا في وضوح ان العنصر الديني يقف خلفها. لكن الدولة تحركت كالعادة في سرعة، وفي صمت لاحتواء الحركة: سوف تبقى بعيدة من جميع فصول العرب الأربعة، ولن يغريها ربيع لا تعرف عواصفه، وآثارها وخرابها في أسس النفوس والبناء.

أقامت عُمان علاقات هادئة سوية متوازية متوازنة وفقط مع كل الدول التي رأت الخلاص في “الصخب والغضب” كما في قول شكسبير. ولكن ليس أكثر من ذلك: لا مع سوريا، ولا مع العراق، ولا مع الجماهيرية الليبية الاشتراكية العظمى. واعتذرت عن العلاقة مع “منظمة التحرير الفلسطينية” لكنها أول من رحب بسفير للسلطة الوطنية.

ذهبت عمان تبيع التمور في الهند القريبة، وتربي الخيول العربية الكريمة، وتبيع شيئاً من النفط. لا مزيد. ولا مشاريع في الدول العربية الأخرى، ولا طموحات، وتركت جارتها قطر (11 الف كلم2) تنافس الدول العظمى، وتطرد سوريا من الجامعة العربية، فيما ازدادت هي انصرافا الى الداخل (335 الف كلم2).

يحتفل العمانيون هذا الشهر (1940) بميلاد قابوس ومرور 47 عاماً على توليه. ربما كانوا يحتفلون في دواخلهم بحكمة الابتعاد. فيوم وصل الى الحكم 1970 كانت بلاده قلعة من زمن الحكم البرتغالي، وكان لبنان دولة واقعة في المستقبل. وكانت بيروت زهوة العواصم وزينتها.

يكتب الاستاذ محمد سالم البلهان في “القبس” الكويتية (9 ت/2): “في الستينات التحقت بالعمل في سفارتنا بلبنان. وكانت أيام عزه وازدهاره، وكم كنت اتمنى لو ان الاشقاء العرب أبعدوا لبنان عن صراعاتهم وخلافاتهم، وأن يتمسكوا به متنفساً لكل من ينشد الحرية والأمان من العرب”. لا ضرورة لنقل بقية المقال ووصف ما حدث للبنان الذي دفع ثمن اتفاق القاهرة، وثمن اتفاق كمب ديفيد، وثمن الصراع السوري الفلسطيني العراقي، وثمن الاحتلال الاسرائيلي، وثمن الصراع الاميركي السوفياتي. ثم دفع ثمن مشروع الطموح السوري، والآن يدفع اثمان الطموحات الايرانية التي هي من المحيط الهادر الى الخليج الثائر، كما حددها الرئيس حسن روحاني بكل بساطة، معتبراً ما نراه المغرب العربي مجرد “شمال افريقيا”.

الشماتة رخيصة، وهي عزاء الرخيصين. لكن جميع الدول والقوى التي حولتنا الى كرة قدم في ملعب الشرق الأوسط، لم تدرك ان الأوبئة عابرة للحدود. ذات مرة التقيت الرئيس امين الجميل في مقر اقامته في “الدورشستر” خلال زيارة رسمية لبريطانيا. وقلت له: “العلاقة مع سوريا قدر، لا خيار. تخيّل ان وباء ضرب الماشية في سوريا اليوم. يتعين علينا أن نلقح المواشي عندنا في اليوم التالي. فالأوبئة عابرة للحدود”.

وبعد مطالعة غير قصيرة قال لي الرئيس: “هل انتهيت من الشرح؟”. قلت: نعم. قال:”ألم يخطر لك في هذه الأمثولة، أن الأوبئة تعبر الحدود من الجانبين؟”. تعلمت يومها ان اللجوء الى المنطق مسألة شائكة، لأن لكل منطق منطقاً، مقابلاً أو موازياً.

يقول المفكر الليبي ووزير الخارجية السابق عبد الرحمن شلقم إن مشكلة لبنان أن رأسه اضخم من جسده، وإنه رصيف “يعرض عليه كل تيار بضاعته”. وما من بلد على هذا الكوكب يُهدّد فيه “السلم الأهلي” كمثل ما يهدد هنا. فوراً يطرح “السلم الأهلي” على المحك. خلال 50 عاماً استقالت في ايطاليا 52 حكومة ولم يستخدم أحد مصطلح “السلم الأهلي”. فهو ليس مُلكاً لأحد في بلدان الأرض. قسَّم العالم المانيا، ثم أعاد توحيدها من غير أن تقوم خناقة “اهلية” واحدة. نحن نتحدث عن “السلم الأهلي” كمن يتحدث عن الصحن اليومي.

ماذا أراد ان يقول لنا سعد الحريري مساء الأحد؟ أن ثمة ما يُدمع. وأراد أن يقول إنه ليس زعيماً سنياً لأن الزعامة مثل الشباب، حال تحول، وإنما هو رجل لبنان وجميع اللبنانيين وجميع الطوائف. فهذا بلد الالتقاءات الروحية اولاً، كما كان يصر مبشره ميشال شيحا.

استقال سعد الحريري الرئيس، لكي يعود عن استقالته قامة وطنية في ذاته، وشجاعاً أبى البكاء فوق ضريح والده، ولكن شجاعاً ذرف دمعته على الحزن والخوف والقلق الذي يلف لبنان. تذكرت وهو يدافع عن النأي بالنفس، أين كان لبنان العام 1970 وأين هو الآن، وأين كانت عُمان وأين هي اليوم. حافظت عُمان على ثروتها البسيطة، ودخلها العادي، فيما اهرق اغنياء العرب ثرواتهم وامانات مواطنيهم. وازهقوا الأرواح، وبددوا الزمن، وبرعوا في المقابر الجماعية…

أهم ما في رسائل سعد الحريري مساء الأحد، كان سعد الحريري: تواضعه، وترفّعه، وعلاقته المباشرة بالناس. جميع الناس، الذين اعتبرهم مرجعه أولاً وأخيراً. ورأى فيهم “شهود الصدق” في سياسات قائمة غالباً على الزيف والزيغ.

أعاد سعد الحريري تقديم نفسه للناس: لا جديد في الأمر سوى القرار. الباقي صفات مولودة، لا مكتسبة. “إن الله لا يحب كل مختال فخور”. يحب المتواضعين والطيبين والذين إذا تذكروا كم أن الغرباء يحبون لبنان اكثر مما يحبه اللبنانيون، فاضت قلوبهم… فبكوا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*