حقائق ما بعد إطلالة الحريري


روزانا بومنصف
14112017
النهار

بدت مفارقة غريبة أن يرتاح المسؤولون في لبنان الى ما أعلنه الرئيس سعد الحريري في مقابلته التلفزيونية من الرياض، على رغم استباق المقابلة باعلان رئيس الجمهورية ان كل ما يقوله وسيقوله الحريري سيكون مشكوكا فيه، وطلب مقاطعة الاعلام التلفزيوني بث المقابلة بهذه الذريعة، والتزم الإعلام ذلك. وهذا العامل يكشف وفق مصادر سياسية أن لا مخرج تم التوصل اليه مع المملكة، ونتيجة الاتصالات او المساعي التي بذلت معها لم يكن لبنان الرسمي في اجوائها، بل كان ما أعلنه الحريري مفاجئا جدا لها، انطلاقا من ان القرار المسبق باعتبار ان الحريري سيكون مسلوب الارادة بني على اقتناع بأن رئيس الحكومة سيستمر في تصعيد مواقفه وفق ما جاء في بيان الاستقالة. أما وقد فوجئوا بالمضمون، فإن الترحيب به حصل على خلفية اعتباره تراجعا، تجزم المصادر السياسية انه في حال عدّ كذلك فانه حصل بناء على التدخل الاميركي في الدرجة الاولى، والذي اعتبر الحريري شريكا جديرا بالثقة، وكذلك بناء على التدخل الفرنسي على قاعدة مبدأ الحفاظ على الاستقرار في لبنان وعدم إمكان التهاون ازاء احتمال اهتزازه، وكذلك الامر بالنسبة الى إمكان أن ترتد المسألة ككل سلبا على المملكة نتيجة نجاح الحملة الاعلامية والسياسية في تسليط الضوء على احتجاز الحريري في الرياض.

من جهة أخرى أظهرت إطلالة الحريري جملة حقائق قد يكون أبرزها:

ان لبنان كسب وقتا بما يسمح بتجميد الازمة الراهنة. فمع تأكيد الحريري التسوية، فإن الواقع هو أن ما بعد استقالته لن يكون كما قبلها في ضوء المعطيات الجديدة التي دخلت على الواقع السياسي. وترجمة ذلك ستكون في مراوحة الازمة، وان تكن مراوحة سياسية هادئة، ولكن بمفاعيل خطيرة تثقل على الوضع الاقتصادي في شكل خاص. والواقع أن تقديم الحريري استقالته سيتبع باستشارات نيابية ملزمة تعيد تكليفه، ولكن من دون القدرة على التأليف، وتبقى الحكومة الحالية حكومة تصريف اعمال لبضعة اشهر على الاقل حتى موعد الانتخابات النيابية، على رغم وجود شكوك كبيرة في أن هذه الانتخابات ستحصل. وثمة من يقول في هذا الاطار إن تعليق ايران لبنان على صليب الفراغ في رئاسة الجمهورية لمدة تقارب عامين ونصف عام قد لا يجعل الحماسة كبيرة للدفع نحو اجراء الانتخابات او التشجيع عليها في ظل عدم وجود تسوية اقليمية بين المملكة السعودية وايران انطلاقا من ان الحزب وحلفاءه عطلوا الحكومات وشلوا البلد، حين لم يكن يسيطرون كليا عليه وغدت مصلحتهم مغايرة حيث باتوا يتحكمون بمفاصل القرار فيه. وتاليا فان عودة الحريري الى بيروت غدت مرتقبة، ولكن من غير المرجح ان تحمل معها نهاية للازمة التي نشأت، لان الاطار الذي حدده للتسوية التي اكد استمرارها بات يحتاج الى تعديل، ومن المستبعد في السياق الاقليمي للتطورات ان يتم التجاوب معها، خصوصا في ظل تسليطه الضوء على تدخل “حزب الله” في اليمن. اذ ان لايران حساباتها التي لا تأبه بما قد يصيب لبنان، ما دام الصراع مع السعودية يجري على اراض دول عربية في الوقت الذي يعتقد انها ستتشدد في مواقفها ما دامت اثارت انزعاج المملكة السعودية ودفعتها الى اللجوء الى استخدام اساليب هجومية لم تألفها المملكة من اجل التصدي لها.

لقي الحريري تعاطفا كبيرا معه في اثناء اطلالته التلفزيونية من حيث المظهر العام وقد بدا متعبا وشاحبا، كما من حيث المضمون والصدق الذي عبر عنه. وحديثه عن النأي بالنفس وسعيه الى تحييد لبنان ومنع تضرره من اي عقوبات لقي صدى ايجابيا لدى اللبنانيين ولم يثر استفزاز اي فريق لا بل احرج خصومه انطلاقا من توظيفهم إقامته القسرية في رأيهم في الرياض والتي اقتنع بها الجميع في الخارج كما في الداخل بحيث غدا صعبا عليهم كيل الردود الفورية له خصوصا ان لهجته هادئة وغير معادية وان كانت انتقادية للتدخل الخارجي لحزب الله. لكن في المحصلة فان هذه الاطلالة اكسبت الحريري على المستوى الداخلي واظهرت ان لا بديل منه ويعول كثر على اهمية ان يستفيد من هذا المكسب على رغم الصعوبات التي تحوط به.

ان لبنان الرسمي انشغل غداة اطلالة الحريري بالعناوين الشكلية للازمة التي تمثلت في اعلان استقالته من الرياض. ومع أن عودته مهمة وتشكل اولوية فإن الرسميين استمروا في التركيز على هذا الجانب من دون سواه، فيما يقف لبنان امام تحد يبدو انه يتجاهله. فالحريري تحدث عن عقوبات عربية يواجهها لبنان وانه يحذر منها، ولبنان غدا يواجه عقوبات وان لم يعترف على انها كذلك علما ان دعوة دول عربية رعاياها لمغادرة لبنان تشكل خطوة متقدمة على هذا الصعيد. وثمة إجراءات تتخذ من دون الاعلان عنها، كما ان لبنان سيواجه تحديا في اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي دعت اليه المملكة السعودية في نهاية هذا الاسبوع من اجل البحث في تدخلات ايران والحزب مما يمكن ان يضع لبنان امام منعطف خطر خصوصا في ظل مواقف في السياسة الخارجية لم تنجح حتى الان سوى في اثارة استياء الدول العربية ان عبر مضمون المواقف التي يتخذها لبنان او عبر مواقف وزير الخارجية. ويخشى في ضوء ذلك ان يتسع حجم الخلافات مع الدول الخليجية بحيث تزداد توترا مع ما يعني من ترجمة عملانية لذلك يخشى كثر ان ترتد على لبنان في ظل وضع صعب يعانيه اصلا نتيجة اعتبارات متعددة من بينها ابتعاد الدول العربية عنه.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*