حقائق تغلّف توقعات المستقبل


مروان إسكندر
النهار
12102018

لقد 

      أصبح الوقت ملحًا لتوضيح بعض الحقائق اذا كان لنا ان نقوّم فرص النجاح أو الفشل في المستقبل القريب.

بداية الاهداف الاقتصادية اليوم، والتي يمكن تحقيقها اذا أقررنا السياسات المناسبة والتزمنا تطبيقها من دون تحريف، هي ثلاثة:

– تحقيق معدل نمو على مستوى 5-6 في المئة يسمح باستيعاب نسبة اكبر من المتخرجين وأصحاب الكفايات والقدرة على الاسهام في الانتاج.

– الغاء العجز الناتج من تعثر ادارة شؤون الكهرباء واقناع وزير الطاقة بأن تأمين الكهرباء من طريق شركات تعتمد المولدات الحديثة النقالة بات النسق الانتاجي والتوزيعي الافضل في المانيا وبريطانيا. والمثال على هذه الخبرة وفّرته خدمات شركة كهرباء زحلة التي وعد السياسيون باستبدال خدماتها 24/24 ساعة يوميًا عبر ترتيبات مصلحة كهرباء لبنان وليس من مؤشر لهذه القدرة.

لقد بيّنا مرارًا وتكرارًا ان عجز الكهرباء يمثل نصف العجز في الموازنة وان سلفات مصلحة كهرباء لبنان مع الفوائد المتراكمة عنها تشكل 43 في المئة من الدين العام، ولا يجوز الاستماع الى تصريحات تبرير الفشل للمسؤولين عن الفشل.

– استعادة مناخ الثقة بالاستثمار في لبنان واطلاق عملية تأسيس شركة لبنانية مساهمة تشارك القطاع العام في انجاز مصفاتين لتكرير النفط في طرابلس والزهراني بطاقة 10 ملايين طن يقارب استهلاك لبنان بعد انقضاء سنتين تستغرقها عملية بناء المصفاتين، ويكون من مؤشرات النجاح ان تعمد الشركة العتيدة والتي سيتوافر تمويلها بالتأكيد من المساهمين، اذا اقتنعوا بابتعاد اهل الحكم عن المنافع الشخصية، الى مباشرة اعمالها بعد التأسيس بانجاز حقل كبير لانتاج الطاقة الكهربائية من الشمس على أراض مناسبة يملكها القطاع العام، وتستأجرها الشركة الخاصة.

ان استعادة الثقة بعد سنتين من انتخاب الرئيس الجديد ليست بالأمر السهل قياسًا بما جرى خلال هاتين السنتين، والمعجزة تتبدى من تكريس الحكم جهداً حقيقياً لاستعادة الثقة.

بعد تبيان منطلقات للنجاح يمكن ان تبدأ عمليات الاستفادة من اثنين من الاقتراحات الثلاثة بالتوقف عند شكاوى دول شاركت في مؤتمر “سيدر” وفي تعهّد توفير التزامات مالية شرط اعتماد الحكم وسائل عمل حديثة وشفافة ومتناسبة مع ممارسات دول كبريطانيا وفرنسا والمانيا. هذه الصورة، ويا للاسف، غير واضحة بل على العكس إن سوء الادارة، ونقص المعارف، ومقداراً من التواضع، كلها امور غير مكرسة في لبنان. ولنعط بضعة امثلة على ما يعوزنا بحسب آراء وتقويمات عدد من المسؤولين من دول اساسية شاركت في مؤتمر “سيدر” ومن بعض القيمين على مؤسسات اقراضية دولية واقليمية.

– ارادت سيدة من أصل لبناني متزوجة في أسوج من رجل يعتبر من أكبر رجال الاعمال في البلد زيارة لبنان مع اولادها الثلاثة خلال فرصة في المدارس الاسوجية قارب موعدها. وقد لجأت الى حجز اربعة مقاعد على رحلة الطائرة من كوبنهاغن عاصمة الدانمارك الى بيروت والعودة منها وهذا الخط يشغل مرة كل أسبوع يوم السبت.

الحجز لهذه السيدة كان ليوم السبت – أي غدًا – لكنها تبلغت بعد ما سمي فضيحة مطار بيروت الدولي ان السلطات الدانماركية ألغت الرحلات الاسبوعية من بيروت واليها لان اجراءات الامن والحفاظ على حقوق المسافرين غير متوافرة في بيروت.

وليعلم كل مسؤول على مستوى في هذا الحكم ان لبنان أصبح من وجهة نظر الدول المتطورة بلداً لا يحسن حتى ادارة منشأة منها آلاف في العالم وشركات مختصة بتسيير المطارات. ولوزير السياحة النشيط نقول إنه يجدر الاتصال بالسلطات الدانماركية للاستعلام عن أسباب قرارها وربما ليتسنى له اقناع زملائه بمدى استشعار الدول المتقدمة والمحافظة على حقوق مواطنيها ضعف هذه الاستهدافات في لبنان.

لقد صدف لي ان اجتمعت أواسط الاسبوع المنصرم مع ممثلين لدولة اوروبية عريقة هم اعضاء في مجلس نواب تلك الدولة ومنهم اعضاء مرموقون عالميًا، فسمعت منهم ان جمود الاصلاح في لبنان، مقابل تفشي الكلام عن محاربة الفساد وهم لم يستشعروا أي خطوات على هذا الصعيد، أمر يؤكد ضرورة امتناع دولتهم عن الاسهام في برنامج مؤتمر “سيدر”.

اضافة الى الفريق المشار اليه، شاء ممثلو بلد آخر زيارتي للبحث في ما سيعبرون عنه لحكومتهم بعد زيارة لبنان. وعبروا عن خيبتهم من عدم استشعار مساعي التحسين الاداري، أو الانجاز في ضبط العجز والتوجه نحو مكننة كل الخدمات العامة. وهم شاطروا في هذا الموقف مسؤولين رئيسيين في منظمات انمائية دولية واقليمية. وافضل دليل على استشعار فشل الادارة الحكومية احساس المبعوث الاقتصادي للرئيس الفرنسي بان لا اصلاح في لبنان.

– ارتفاع عجز الموازنة بدل انخفاضه. والعذر ارتفاع اسعار النفط وكأن هذا التطور فريد. فأسعار النفط في السنوات الاخيرة تفاوتت ما بين 40 دولارًا للبرميل و150 دولارًا. وهذه الاسعار ارتفعت حديثاً بسرعة مع مخاوف من صدامات عسكرية في منطقتنا وبلغت اوائل الاسبوع 84 دولارًا للبرميل لنفط برنت – أي بحر الشمال – و76 دولارًا للبرميل لنفط غرب تكساس. وانقلاب خفض العجز، الذي اعتبره وفد لبنان الى مؤتمر “سيدر” مؤكدًا، الى ارتفاع للعجز بنسبة كبيرة أمر يبعث على التشكيك في قدرات الحكم اللبناني وسياساته.

الامر الاكيد ان المشاركين في مؤتمر “سيدر” غير متحمسين لتوفير المساعدات قبل توضح منهجية الحكم اللبناني التي لم تقدم براهين على اقرار سياسات اصلاحية وتنفيذها، علمًا بان تصريحات الرئيس الحريري باتت اكثر واقعية من أي تصريحات حزبية أو فئوية وأهم لمستقبل لبنان من المواقف المتشنجة والمبنية على التشاوف.

المليارات الـ11 من مؤتمر “سيدر” لا توازي التقدم الذي يحرز خلال ثلاث سنوات من ازالة عجز الكهرباء، وتالياً تحسين الانتاجية، وتوسيع فرص العمل في انتاج الحشيشة ضمن القانون وفي اشراف الريجي، وانجاز حقل لانتاج الكهرباء من الالواح الشمسية بمبادرة من شركة لبنانية للطاقة تؤسس بغالبية اسهمها من القطاع الخاص مع اشراك القطاع العام بنسبة لا تزيد على 25 في المئة، وتعمل هذه الشركة على انجاز مصفاتين لتكرير النفط وتوفير 800 مليون دولار على حساب ميزان المدفوعات.

هذا هو البرنامج الانقاذي الحقيقي، وأفضل برهان على ذلك ان الحاجة الى الاقتراض تتقلص وبدء تسديد أصل الدين العام يبدأ من 2019 وبنهاية 2020 نكون قد خفضنا الدين العام 12 مليار دولار بفضل الوفورات وتنشيط الاقتصاد، والامل ليس مفقودًا اذا عدّل الحكم برنامجه وتخلّى عن اخطائه ونزواته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*