اخبار عاجلة

حفّارو قبر لبنان

راجح الخوري
النهار
06122018

خطر الإنفجار يقترب مهدداً هذا البلد التعيس، الذي حولّناه عبر سياساتنا الحمقاء ووطنيتنا الزائفة “خيمة أراكوز” ستنهار على رؤوسنا جميعاً، لا يأتي مثلاً من تهديدات العدو الإسرائيلي الجديدة، بذريعة الأنفاق التي يقول إن “حزب الله” قد حفرها عبر الحدود خلافاً للقرار ١٧٠١، ولا يأتي أيضاً من “حريق الجاهلية” الذي جاء في مسلسل من الإضطراب الأمني المتنقل، وكان آخر فصوله إحراق مزكزين للجيش اللبناني في منطقة بعلبك، بل يأتي من تاريخ متراكم من الجاهليات السياسية، التي جعلت لبنان دائماً مجموعة من القبائل الطائفية والمذهبية المتناحرة!

خلاصة هذه الجاهليات كلمات قليلة وأرقام مرعبة، أوردها الوزير علي الخليل بعد اجتماعه مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لكننا نكررها من أيام نوح من غير ان نجد لها حلاً، وهي ان البلد لا يمكن ان يستمر في مسيرته الإنتحارية، وأن من يقع في الحفرة عليه ان يتوقف عن الحفر تحت قدميه، ونحن لا نجيد سوى الإستمرار في الحفر بحثاً عن الجحيم في الأعماق.

هذا بلد ينازع، والدليل الحي لا يتطلب أكثر من ان نتوقف قليلاً أمام رقم واحد أشار اليه الخليل، وهو ان ٩٢٪ من الموازنة تصرف على الرواتب والتعويضات وخدمة الدين العام و٨٪ فقط تصرف على مشاريع التنمية، وهذه كارثة موصوفة! ولكن قياساً بالحشو الهائل من الذين يدخلون الى الدولة ومؤسساتها كتنفيعات، ليبلغ عدد الموظفين ٣٠٠ ألف كما قيل، لكأننا جمهورية الصين العظمى، وقياساً بالزيادة التصاعدية في المرتبات والتعويضات، وخصوصاً بعد دخول سلسلة الرتب والرواتب السعيدة الذكر على الخط، سيكون علينا غداً ان نرفع الصوت: “لله يا محسنين”، لكي نؤمن رواتب الدولة ومليارات قطاعاتها المفلسة، ولم يعد في هذا العالم محسنون فلا الخليج مرتاح ولا أوروبا مستغنية!

يقول الخليل: “عندما يكون لدينا إرادة سياسية وعندما نتمكن من الإتفاق بين بعضنا البعض نستطيع تحمّل الكثير”، ولكن من أين لنا هذا يا معاليك كبّر عقلك، فالمريض اللبناني يعاني إشتراكات ومن سيئ الى أسوأ، إذاً حضّروا مراسم الدفن ولا حاجة لا الى تشييع ولا إلى عزاء.

ويقول صديقي الوزير، إننا في حاجة الى تغيير عقليتنا في التعامل مع الملف المالي والاقتصادي، وأن نضع أنفسنا على السكة الاصلاحية، ولكن كيف في وقت يُمنع علينا تشكيل حكومة أو الاتفاق على بيان وزاري، لكأنه لم يسمع بقصة البقرة الحلوب التي وصفها الرئيس الياس الهراوي ذات يوم، وبضرعها الذي جف، واليوم وصلنا الى لحمها المجروم وعظمها المطحون. أي سكّة إصلاحية يا معاليك، وأنت تعلم مثلنا جميعاً أنه ليس عندنا غير سكة واحدة، هي التي تفلح هدراً وسرقة ومحاصصة وسطواً متوحشاً ووقحاً على المال العام، لأننا نتسابق على تقاسم الدولة مغانمَ منذ زمن بعيد فهي مجرد أرض سائبة.

٩٢٪ من الموازنة اليتيمة للرواتب والتعويضات ودعم مؤسسات الدولة المفلسة وخدمة الدين العام، والسؤال الى متى قبل ان ينفجر الوضع ونتجاوز ما حصل في اليونان؟

rajeh.khoury@annahar.com.lb

Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*