حظوظ اجتماع بيروت في تحريك قرارات “سيدر”


مروان اسكندر
النهار
11012019

بعد أسبوع ويوم تنعقد اجتماعات بدعوة من جامعة الدول العربية للبحث في الشأن اللبناني والقدرة على تنفيذ اقتراحات تفعيل الادارة العامة والحدّ من الهدر وتحفيز النشاطات الاكثر أهمية والحاحًا ان على الصعيد الصحي، أو على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي. ولا بد من استرجاع بعض المعطيات التي تساعد على تفحص آفاق المستقبل. وهنا لا بد من مراجعة نجاحات الجامعة أو فشلها في تحفيز الاقتصادات العربية والتفاعل في ما بينها ونتائجها منذ اوائل الخمسينات. كما ثمة حاجة الى تصور السلطات اللبنانية لوسائل الاصلاح والزمن المطلوب لتفعيل المؤسسات الحيوية وتجاوز ممارسات الاستفادة الفردية أو الطائفية أو العشائرية لدى اللبنانيين.

اذا أردنا المصارحة الحقيقية، علينا ان نركز على ما هو مطلوب بوضوح وشجاعة وألا يكون الهم الاساسي توزيع التهم على الرسميين وغيرهم بانهم يسعون الى ضمان حاجاتهم المستقبلية والتأكد من انفتاح فرص الدراسة المميزة والوظائف المفيدة والمتطورة خصوصاً خارج لبنان.

لنبدأ بالجامعة العربية ونشاطها في مجال التحفيز الاقتصادي للدول الاعضاء وتشجيع التعاون والتبادل الاقتصادي في ما بينها. نسبة كبيرة من سكان الدول العربية لا يدركون ان للجامعة العربية دوراً في الاسهام بتشجيع اقتصادات الدول الاعضاء وتنويع نشاطاتها وتوسيع التبادل التجاري وتكريس التعاون الفني وتنسيق انتاج المواسم الزراعية وتسهيل الانتقال البري بين الدول الاعضاء. بكلام آخر، كان من الواجب على الجامعة العربية ان تفعّل اتفاقًا يسمح بتوقع قيام سوق عربية مشتركة.

عند تأسيس الجامعة العربية قبل 65 عامًا وتزيد، طورت الجامعة اتفاقًا يهدف الى اقامة سوق عربية مشتركة، وكانت ظروف الدول العربية النفطية في حينه متواضعة لان سعر النفط لم يكن يزيد على دولارين للبرميل، وعائدات الدول المعنية لا تزيد على 25-35 سنت عن كل برميل. وفي تلك الحقبة، وقبل اخفاق الحكم الناصري في تنشيط الاقتصاد المصري، كانت مصر تمثل الاقتصاد العربي الاكبر وفرص النجاح في مصر للمقدامين والمعطائين والفنانين كانت مشجعة، ومن ثم اطاحت ثورة الضباط الاحرار النظام الاقتصادي الحر في مصر وحصرت النشاطات الاساسية، كالنقل وتشغيل قناة السويس وانجاز الفنادق الكبرى وشركات استيراد الضروريات، بدوائر تابعة للدولة يشرف عليها فريق الضباط الذين يفتقدون الخبرة.

خلال أقل من خمس سنوات، كانت مصر قد فقدت جاذبيتها للاستثمار وتبنّى حكم عبد الناصر مظاهر التجربة الاشتراكية ووسع قوانين التأميم، وتالياً أبعد الناشطين من المواطنين اليونانيين والايطاليين والبريطانيين واللبنانيين عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فذبلت صورة مصر كدولة قيادية فنيًا واقتصاديًا وصناعيًا. وعبر التأثير السياسي توسعت حركة الاشتراكية، من غير ان تكون ارتكزت على قواعد علمية وادارة جيدة في سوريا والعراق، واصبح هنالك توجه متعالٍ لفرض المنهج الاقتصادي الناصري، فتقوت العصبيات وطاولت الثورات العراق وسوريا ومن بعد ليبيا والجزائر، واصبح العالم العربي بعيدًا من التطورات العالمية.

الاتحاد الجمركي بين الدول الاوروبية الذي وقع في روما عام 1956 تجاوز نطاق الدول المؤسسة الست وارسيت قواعده على حرية الاستثمار، والعمل، والتبادل التجاري، وارساء معاهد مشتركة للدروس الفنية، والعسكرية. وكانت الاوضاع في بلداننا العربية على تراجع ولم تترجم اتفاقات التبادل الحر بين دول الجامعة العربية الى اية اجراءات عملية. وبعد عام 1973 وارتفاع اسعار النفط بقوة، بقيت المبادلات التجارية بين الدول العربية ضئيلة، واذا تجاوزنا تجارة المواد النفطية التي تفيد بعض الدول العربية المنتجة، نجد ان تبادل المنتجات بين الدول العربية لم يتجاوز منذ 50 سنة نسبة خمسة في المئة من حجم الدخل القومي للدول المعنية، وتالياً أخفقت توجهات الجامعة لان التنظيم المتجاوز للحدود لم يتوافر لدى دوائرها. والحكم الناصري قدم التوجهات السياسية على التطوير الاقتصادي، فحول اليمن دولة اشتراكية تنازع السعودية، وفرض سياسات التأميم في سوريا، وعبد الكريم قاسم تبنى المنهج الناصري في العراق، ومن ثم انحصر التعاون العربي الاقتصادي بين الدول الاشتراكية.

الانفتاح العربي الوحيد على التعاون وتطويره تبدى لدى الدول العربية النفطية الخليجية. فهذه الدول فتحت أبوابها للموظفين والعمال من البلدان غير النفطية، فتوافرت آلاف فرص العمل للفلسطينيين والسوريين واللبنانيين وبتدرج زمني بدأ في الكويت فالسعودية والعراق والبحرين وقطر وأبو ظبي والى حد ما في سلطنة عمان. ويضاف الى هذا الانفتاح، انشاء صناديق عربية لتأمين تمويل مشاريع انشائية اساسية في البلدان العربية، وكانت الكويت الدولة المقدامة في هذا المجال، فأسست الصندوق الكويتي، ومن ثم اسهمت مع السعودية الى حد بعيد في تأسيس الصندوق العربي للانماء الذي كان مركزه في الكويت وتولى رئاسته الراحل الدكتور صائب جارودي الذي كان وزيرًا للاقتصاد في لبنان أوائل السبعينات، واسهمت بعض دول الخليج في تطور عمل مصارف عربية. ومنذ عقدين تولّت الدول النفطية في الخليج تطوير المؤسسات الاعلامية والتربوية والبيئية والجامعية، وعقدت اتفاقات مع الدول الصناعية لتحرير التجارة، وخفض الضرائب وتسهيل الاقامة وتقبل حريات الحياة الاجتماعية الغربية.

لبنان قدم دراسة موسعة من 1200 صفحة انجزها خبراء شركة ماكينزي لتقديمها الى مؤتمر “سيدر”، وحين اعتبر المشاركون في المؤتمر ان هذه الدراسة توفر صورة عامة معروفة ويتداولها الاقتصاديون في لبنان منذ زمن من غير ان توفر تصوراً عملانياً للتنفيذ، طالبوا الحكومة اللبنانية باقرار اصلاحات أساسية وحيوية سواء في الهيئات التنفيذية أو التخطيطية، وارتأوا اصلاحات حيوية تحصر فرص الاستفادة غير الشرعية من المسؤولين ومعاونيهم. وبعض المشاركين في مؤتمر “سيدر” رأوا ان دراسة شركة ماكينزي لا تعتبر مفيدة بالقدر المطلوب، فقد انجزت خلال ثلاثة أشهر استناداً الى معطيات معروفة، وفي هذا الوقت أصبح من المعلوم ان حكومة جنوب افريقيا تقاضي الشركة لاغفالها تبيان حقائق عمل أكبر مؤسسة تجارية في جنوب افريقيا يملكها تجار كبار هنود، والمبالغ المخفية تضاهي 800 مليون دولار.

ماذا ستقدم الحكومة اللبنانية برهاناً على جديتها في معالجة الفساد وتمكين المؤسسات الرئيسية من العمل وقد اخفقت على الصعيد الاقتصادي الى حد بعيد؟

– بعد سنتين ونصف سنة من بداية العهد، لم تتحقق خطوات رئيسية لمعالجة ازمة النفايات التي برزت منذ خمس سنوات.

– بعد دراسة ارقام موازنة 2018 مدة سنة لدى اللجنة النيابية المختصة سعيًا الى خفض العجز 250 مليون دولار، ارتفع العجز 1000 مليون دولار واصبحت نسبة العجز تفوق معدل 10 في المئة من الدخل القومي.

– وزارة الدولة لمكافحة الفساد لم تحقق أي مبادرة نافعة وصدر عن وزيرها تدخل في غير موضعه القانوني وتدخل آخر محرج في طبيعته.

– عجز الكهرباء الذي هو السبب الرئيسي لتفاقم الدين العام وثمة توصيات في شأنه منذ عام 1998 لم تنفذ منها أي خطوة، والتوصيات من البنك الدولي. ليس هنالك توجه لتحسين ادارة مصلحة كهرباء لبنان، والتوجه اخيرًا (منذ ثلاثة أشهر) نحو فرض تجهيز كل مشترك بعداد الكتروني للاستهلاك مطروح منذ 1996 وخبرة الالمان في محادثاتهم قبل نهاية السنة المنصرمة مع وزير الطاقة لم تثمر أي تفاهم. ووضع الكهرباء على تراجع والمولدات الخاصة التي تؤمن الاضاءة والطاقة على أسس القطاع الخاص لا مجال لاغلاقها دون تنفيذ خطة لا تحتاج الى اكثر من سنة تؤدي الى وفر منذ السنة الثانية يتجاوز العجز السنوي الحالي ويسهم في خفض نسبة التلوث من توليد الكهرباء.

– وضع تمديدات توفير مياه الشرب مهترئ ونطاق تأمين المياه للمستهلكين والمستثمرين سيئ الى حد بعيد وتقدير تلوث المياه يتجاوز معدل 70 في المئة. وكانت هنالك دائمًا انتقادات لاسرائيل بانها تسرق جزءاً من مياه الليطاني لحاجتها الى المياه، وقد طورت اسرائيل تقنيات توفر لها جميع حاجاتها من تحلية المياه بكلفة لا تزيد على 56 دولارًا للبرميل الواحد الذي يتوافر يوميًا لمدة سنة، وآخر معمل لتحلية المياه انجز قبالة تل ابيب يحلي يوميًا 655 الف برميل تكفي حاجات سكان أكبر مدينة في اسرائيل.

قياسًا بنجاحات أو اخفاقات الجامعة العربية في تطوير التعاون والتفاعل الاقتصادي، لن يكون هنالك نجاح للمؤتمر الذي ينعقد في نهاية الاسبوع المقبل، والامل في مساعدات نقدية من اطراف عرب قد يتحقق بعضه انما ليس بمبالغ كبيرة لان مقاييس نجاح العمل الحكومي في السنتين المنصرمتين تكاد تكون مفقودة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*