حطّ الحمام على القرميد!


راجح خوري
النهار
03072018

من خارج السياق السياسي اليومي الضحل، هذا مقال من القلب على حافة حطام السفن في موانئ الحياة الراكضة، وعلى حافة حطام البحّارة وبحار الحبر، بعضهم يذهب الى التقاعد وبعضهم صار حطاماً مثلي!

لا أصدّق ان أبنائي صاروا في التقاعد، وأمسك الشيب برؤوسهم، وبدأت “الطيور” الداكنة الصغيرة تتسلل وتغط على جلود أيديهم، لا أصدق أن كل شقاواتهم سقطت تباعاً في الطريق، التقطتها الأعمار ووضعتها على حافة الطريق المزدحمة بلهاث العابرين!

لا أصدق ان السيل جارف الى هذا الحد، وان المجرى مزدحم الى هذه الدرجة، وأنا عالق عند قبضة من الحصى تبطئ انجرافي الى المساقط، ولا أصدق أنني التقيتهم وجالستهم ومازحتهم، ولا أصدق أنني كنت جسوراً لاحبس دموعي تلك الليلة التي كادت ان تشطف المائدة وتفيض في الكؤوس والصحون!

هؤلاء أبنائي وقد كبروا، عصافيري وقد طاروا بعيداً ويعودون للحظة، يعودون لليلة من العمر المتثاقل، وهؤلاء شبابي الذين سلمتهم دروعي وسيوفي، حبري وورقي وكل المقدمات والعناوين، وكل ذلك السياق الخبري الذي سيصير مثل سياق الحياة، بعضه يذهب الى العقل والقلب وبعضه يذهب الى الصفحة الأولى أو الصفحات الداخلية.

كان ذلك من أيام نوح تقريباً، أربعون عاماً الى الوراء، كانوا يتحلقون مثل باقة من حبق طري يعرضون صفحاتهم الأولى، وأن لهم بالمرصاد: لماذا على عمود يا إنطوني، لماذا على عمودين يا أرليت، إين صورة المانشيت يا سلام؟

لطالما أغرقتني هذه المهنة في الوداعات القاسية، سواء ودعت تلاميذي يغادرون الجامعة، أو ودّعت أساتذتي يغادرون الحياة اغتيالاً تباعاً، كامل مروة، رياض طه، سليم اللوزي، جبران تويني، وغسان تويني شهيد الآلام، وها أنا ما زلت هنا يا للهول!

كان ذلك من أيام نوح، ولست أدري لماذا اخترت ذلك الصباح في كلية الإعلام في الفنار، ان تكون الحصة الأخيرة من السنة الرابعة، وداعاً مميزاً لذلك الصف الذي كان مميزاً في كل نسيجه وتشكيلاته، أذكر أنني تحدثت اليهم عن الحياة وعن الأقدار والأعمار: أنتم رف من الحمام يغط يومياً على هذا القرميد الجامعي، أربعة أعوام وأنتم على هذا القرميد، اليوم تطيرون بعيداً، وتحت جناح كل منكم قطعة من قلبي وذكرى دائمة عن أجمل مراحل عمركم، ستغطّون غداً على سطوح كثيرة وبعيدة، ستكون لكم فضاءات أخرى، لكن سيظل شيء حميم من ذكرياتكم عالقاً على هذا القرميد، وشيء من وجوهكم معششاً في قلوبنا نحن أساتذتكم!

عبدو الحاج جاء من كارميل في كاليفورنيا، آمال عواد من كندا، اجتمعنا شلّة صغيرة بمبادرة من فيفيان داغر حاملة صلبان الذكريات الجامعية، تحت عنوان “أهلاً بعبدو”، كل سرب الحمام كان حاضراً وإن تغيّبوا، تذكّرنا، جلسنا على سطح القرميد، وعندما غادرنا كانت مزاريبه تفيض بدموعي!

rajeh.khoury@annahar.com.lb

Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*