حصيلة الاتفاق الأميركي مع كوريا الشمالية


مروان إسكندر
النهار
15062018

بعد الحرب العالمية الثانية وقبل انقضاء عشر سنين على استسلام اليابان وتمركز قوات اميركية ملحوظة في أراضيها، كانت الحرب بين الشيوعيين في كوريا الشمالية والمتمسكين بالنظام الليبرالي الاميركي في كوريا الجنوبية يخوضون حربًا استمرت سنوات وتسببت بمقتل عشرات آلاف المقاتلين الكوريين من الجهتين والاميركيين والاوستراليين الذين حاربوا معهم.

حرب كوريا ارخت بظلها على العلاقات الدولية اوائل الخمسينات. ورسخ الاميركيون وجودهم العسكري في كوريا الجنوبية وفي اليابان وتركز الانتباه على تحقيق هدنة طويلة المدى تحولت الى تعايش دولتين في شبه الجزيرة الكورية.

استفادت كوريا الجنوبية من خبرة اليابان في تحقيق التقدم الاقتصادي بالتزام العمال ساعات طويلة من العمل وتركيز طاقاتهم على الانتاج. والواقع ان الكوريين الجنوبيين اقتبسوا نسق تنظيم الانتاج الصناعي الياباني وركزوا على انتاج السيارات، ومن ثم ناقلات النفط، وصناعة الصلب. وفي العقدين المنصرمين حققوا نجاحات كبيرة في مجالات التصنيع الالكتروني. وتكفي الاشارة الى ان شركة سامسونغ التي تنتج اجهزة الهاتف المحمولة حققت تنافسًا ملحوظًا مع شركة “آبل” الاميركية وهواتفها المحمولة المعروفة باسم “آي فون”. خلال السبعينات تجاوز عدد الكوريين في اليابان المليونين علمًا بان اليابان لم تكن تسمح بتدفق العمالة الاجنبية ومع ذلك اخترق الكوريون الحظر.

مقابل الازدهار في كوريا الجنوبية المتمثل في زيادة حجم صادرات البلد بمعدلات مذهلة سنويًا في السنوات العشرين المنصرمة وتحقيق معدلات للدخل الفردي تتجاوز معدلات الدخل الفردي في العديد من الدول الاوروبية التي تخلت عن النظام السياسي والاقتصادي الشيوعي بدءًا من عام 1990 في اوروبا الغربية، بقيت الاوضاع الاقتصادية في كوريا الشمالية متأخرة عن مجاراة ما تحقق في كوريا الجنوبية، واختار قادة كوريا الشمالية التركيز على التصنيع الثقيل خصوصاً للتجهيزات الحربية سواء السفن أو المدرعات والدبابات، ووسائط النقل الثقيل. لكن الصناعات المتقدمة كإنتاج الطائرات ظلّت خفيفة، والانجازات بدأت تظهر على مستوى تصنيع الصواريخ العابرة للقارات واجراء اختبارات نووية.

خلال السنوات الثلاث الاخيرة استرعت كوريا الشمالية الاهتمام الغربي ببرامجها لإنتاج الصواريخ والطاقة النووية، ولم يعد بالإمكان تجاهل توجهات قادتها، بينما اصبحت تحظى بدعم من الصين ان على صعيد المساعدات المادية أو على صعيد تأمين تجهيزات صناعية متقدمة وقطع غيار أساسية لصناعة الصواريخ والصناعات النووية.

الاهتمام الاميركي بإمكانات كوريا الشمالية وتوجهاتها تزايد مع انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة قبل نهاية عام 2016 وتوليه مهمات الرئاسة في 20 كانون الثاني 2017.

اراد دونالد ترامب منذ بداية عهده التقرب من الصين، والقيادة الصينية برهنت على انفتاحها على التعاون مع الولايات المتحدة. ومن المعلوم ان حجم الاقتصاد الصيني أصبح بحسب مقاييس الدخل الفردي – دون تقويم الدخل بالقيمة الشرائية – ثاني اكبر اقتصاد في العالم، والتقنيات المتوافرة خصوصاً في المجالات الالكترونية وبعض أنواع السيارات الاميركية الفخمة تحقق مبيعات في الصين تقدمت حجم مبيعاتها في الولايات المتحدة. ويبلغ حجم صادرات الصين المستوى الاعلى عالميًا وكذلك احتياطها من العملات والذهب.

شكا دونالد ترامب من العجز في التبادل التجاري مع الصين ورغب في فرض رسوم عل استيراد منتجات من الصين، كما بادر الى ذلك بالنسبة الى أوروبا، وكندا والمكسيك، لكنه ضبط توجهاته نحو جبه الصين، لانه يدرك ان بعض حساباته بالنسبة اليها والعجز الناتج من التعامل معها غير صحيحة. فعلى سبيل المثال كان يشكو من ان مستوردات “الآي فون” من الصين تواجه الولايات المتحدة بعجز يتجاوز 20 مليار دولار سنويًا، وبعد احتساب كلفة انتاج “الآي فون” في الصين، وتكاليف نقلها وتسويقها في الولايات المتحدة، ظهر لفريق ترامب ان الصين لا تحظى من هذه الصناعة باكثر من 8 دولارات عن كل جهاز مقابل تكاليف نقلها، والتأمين البحري، وتكاليف الدعاية، والارباح للمسوقين الخ التي تتآكل القسم الاكبر من ثمن المبيع للاجهزة أي نحو 700 دولار للجهاز. ويضاف الى كل ذلك ان الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة تبلغ عشرات المليارات من الدولارات وان احتياط الصين من العملة الاميركية يتجاوز 1.6 تريليون دولار، وبالتالي اختار ترامب التقارب مع الصين بدل مواجهتها، واستعمل تقاربه مع الرئيس الصيني للإفساح في مجال التقارب مع زعيم كوريا الشمالية.

معلوم ان الصين هي السند الاساسي لكوريا الشمالية سواء على صعيد تأمين موارد القطع، أو توفير منتجات ضرورية لتطوير صناعة الصواريخ والصناعات النووية. والكل يعلم ان رئيس كوريا الشمالية الذي كان يمتنع عن السفر خارج بلاده، توجّه الى الصين في رحلة مغلفة بالسرية قبل شهرين تقريبًا حيث أمضى 15 يومًا، وانتقل في قطارات كهربائية تبلغ سرعتها 300 كلم في الساعة لا يهتز فيها فنجان القهوة، وهذه من التصنيع الصيني، وقد ذهل بالتقدم المتحقق في الصين، وعاد مقتنعًا بضرورة التفاهم مع الاميركيين.

مهّد الصينيون للقاء ترامب ورئيس كوريا الشمالية وهم ساعدوا على تفحص ما يسمى إلغاء القدرات النووية في شبه الجزيرة الكورية، واتفقوا على مفهوم هذا الاستهداف مع الاميركيين والمسؤولين في كوريا الشمالية، واصبحت الارضية جاهزة لإنجاز الاتفاق الذي فاجأ العالم، ولم يفاجئ الرئيس الصيني اطلاقًا.

الصين ستحوز منفعة كبيرة من الاتفاق بإبعاد المناكفات التجارية مع الولايات المتحدة من جهة، وتوثيق علاقات كوريا الشمالية مع كوريا الجنوبية، وتأمين دور الحماية العسكرية لتنفيذ الاتفاق، الامر الذي يمكّن ترامب من سحب غالبية الجنود الاميركيين من كوريا الجنوبية والذين يبلغ عديدهم 30 الف رجل ويزيد في الوقت ذاته تفوق الصين الاقتصادي والعسكري في جنوب شرق آسيا.

ولا شك في ان الرابح الاكبر سياسيًا هو دونالد ترامب. فقد عزز فرص محازبيه في تحقيق انتصارات في الانتخابات المقبلة للكونغرس، ولم تعد هنالك فسحة لمناقشة انهاء ترامب فترة انتخابه رئيسًا، وربما في حال نجاح الاتفاق الاميركي- الصيني- الكوري الشمالي استمر ترامب رئيسًا لولاية ثانية وعلى العالم ان يتهيأ لهذا الاحتمال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*