“حزب الله” يسعى لإعادة حليفه “التيار الحر” إلى دائرة التعقل، فماذا بعد؟

 

ابراهيم بيرم
أيار2017 5
النهار

لم يعد خافياً أن أطرافاً عدة، في مقدمهم رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، اعتبروا أن المؤدّى الأساس من الكلام الأخير للأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله عن الشق الداخلي، ولا سيما لجهة التحذير القوي اللهجة من المضي قدماً في لعبة استهلاك الوقت واللعب على حافة الهاوية، موجّه خصيصاً الى قيادة حليفه “التيار الوطني الحر”.

لذا لم يكن مستغرباً أن يسارع سيد عين التينة وزعيم المختارة فور فراغ نصرالله من كلمته، الى إطلاق سلسلة مواقف داعمة ومؤيدة تنطوي في بعضها على شماتة مكتومة انطلاقاً من رسالة سيد الحزب، من شأنها ان تكبح جماح رئيس التيار الوزير جبران باسيل وتفرمل اندفاعته نحو تكريس واقع سياسي يطوّب لاعبين أساسيين على حلبته ويقصي آخرين، واستطراداً يقطع الطريق على طموحات آخرين، شخصيات وأفرقاء.

وبصرف النظر عن حقيقة هذا الاستنتاج ورهان المراهنين عليه، فإن الثابت ان السيد نصرالله خرج في إطلالته الاعلامية الاخيرة عن نهجه الهادىء والموزون بميزان الذهب في مقاربته للشأن الداخلي ورفع صوته بالتحذير على نحو غير مسبوق، بعد بروز تطورين الى الواجهة لم يعد من مصلحته التعامل معهما بسلاسة ومرونة وغض الطرف، وهما:

الأول، ان ديمومة الخلافات والسجالات العاصفة بين مكونات الساحة حول مسألة استيلاد قانون انتخاب جديد يسمح بتوجه الناخبين الى صناديق الاقتراع، او على الاقل يمنع الذهاب الى احد الاحتمالات الثلاثة الخطرة التي عدّدها، من شأنها ان تخلط الاوراق وترفع منسوب الاحتقان السياسي، وقد تفضي بطبيعة الحال الى مشهد متوتر يبدّد حال الاستقرار والتوازن الذي تحقق بعد التفاهم على ملء الشغور الرئاسي وما تلا ذلك، وهو وضع لا يلائم اطلاقاً تطلعات الحزب القريبة وتلك التي تتخطى الحدود.

الثاني، ان قياديين في الحزب لم يعد في إمكانهم في الآونة الاخيرة ان يكتموا شعوراً تكوّن لديهم فحواه ان شريكهم في التفاهم الابرز في الحياة السياسية الداخلية المعاصرة هو، بعدما آلت الرئاسة الاولى اليه، غيره ما قبلها. فثمة حليف أخذته موجة تكبّر ويتعاطى معه من عل لجهة المغالاة في المطامح والمبالغة في تضخيم الدور والذات وتكبير حجر الرهانات.

وفي هذا الإطار تتداول أوساط في الحزب رواية فحواها انه عندما زار وفد القيادة المقرِّرة في الحزب، والذي ضم الثلاثي النائب محمد رعد وحسين الخليل ووفيق صفا القصر الجمهوري قبل ايام بغرض الوصول الى تسوية نهائية في موضوع قانون الانتخاب بهدف تسويقها لتكون فصل الخطاب، فوجىء الوفد بأن الرئيس ميشال عون التزم جانب الصمت التام وأخذ الوزير باسيل كل الوقت ليعرض رؤيته للأمر. وهو أمر خالف توقعات الحزب لاعتبارين: الاول انه يعرف سلفاً وجهة نظر باسيل، والثاني أن الرئيس عون يتوانى عن إيجاد اسس التسوية المنشودة لاخراج البلاد من عنق زجاجة الازمة التي اخذت بالتفاقم والمنطوية على محاذير.

الأكيد ان “حزب الله”، وإن لاذ اخيراً بسياسة الفرملة من خلال الكلام الاخير لسيده، فهو ليس اطلاقاً في وارد الذهاب الى مرحلة فك الارتباط وفصم عرى التحالف مع “التيار البرتقالي”، وإن تضاربت الرؤى السياسية بينهما اخيراً. فهو (الحزب)، وإن كان حريصاً على التمسك بمزية الوفاء الى اقصى الحدود لحلفائه، اي تكريس اسس مدرسة مختلفة في السياسة القائمة على الاخلاق، الا انه لا يريد اطلاقاً رؤية مستجدات ومفاجآت من شأنها التأثير سلباً على استقرار المشهد الذي يرتاح الحزب الى ديمومته لينصرف الى غاياته القصوى والمشروع الذي يجد نفسه أنه انوجد من اجله.

الحزب في داخله يعتقد انه لم يتأخر عن اطلاق صافرة الانذار، فهو أعطى حليفه “التيار البرتقالي” فرصته الكاملة لكي يستنفد كل ما في جعبته من طروح ورؤى من شأنها ان تعزز دوره ومكانته، لكنه قدّر اخيراً أن الفرصة انتهت وأنه صار يتعين على “التيار البرتقالي” إعادة النظر جدياً في كل حساباته وطموحاته ويراجع كل المسار والنهج الذي سار على هديه في أعقاب بلوغ مؤسسه سدة الرئاسة الاولى. وفي المقدمة عليه أن يقتنع بأن ظروف إعادة عجلة الامور الى مرحلة ما قبل اتفاق الطائف تبدو مغامرة كبرى له وللوطن برمته لأن ذلك من شأنه أن يستثير عصبيات الاخرين الكامنة، ويحيي هواجسهم ومخاوفهم النائمة تحت ذرائع شتى. لا ينكر الحزب في غرفه الموصدة أن من حق أي قوة سياسية في البلاد ان تكون لها مساحة حسابات ورؤى وتطلعات، وبالتحديد القوى المسيحية التي تقيم على مشاعر مزمنة من الإحباط والتهميش، إما بفعل الانتقائية في تطبيق الطائف، وإما بفعل ممارسات زمن الوصاية وما فرضته من أعراف وتقاليد، ولكن الحزب على اعتقاد بأن الظروف الراهنة لا تساعد اطلاقاً في فتح أبواب موصدة أمام نهوض صراعات واستيقاظ اطماع في معادلة داخلية يقر الجميع بهشاشتها.

يدرك الحزب أنه ليس من الضرورة ان يستقيم الجميع معه في الزهد بالأدوار والمكاسب الداخلية لان مشروعه ابعد واعمق، لكنه لم يوطّن نفسه بعد ليؤدي دور الضابط للنزاعات، او بمعنى آخر يستعيد دور “الوصي السوري” الذي انشغل مدى اعوام برسم الحدود بين الأطراف وفك الاشتباك بينهم، فهي مهمة مهلكة و”خسّيرة”. يعي الحزب ايضاً ان رئيس “التيار” الوزير باسيل هو على هذه الدرجة من الاندفاع لانه يستشعر أن اللحظة لحظته، وهو يعمل على الا تمر مرّ السحاب. فمؤسس “التيار” انتقل الى قصر الرئاسة الاولى، و”التيار” عينه تكرس رقماً اول في الساحة المسيحية بعد مصالحة معراب. يضاف الى ذلك إدراكه ان حليفه الاقوى في ساحته، اي الحزب، لن يخذله مهما جرى. ولكن التجارب التي مر عليها الزمن وتلك التي ما زالت حية تتفاعل أثبتت انه ليس بالامكان دوماً استعادة تجربة الطموح الأقصى للمسيحيين، أي تجربة الرئيس بشير الجميل. فذاك عهد تولّى، والمطلوب ليس الجنوح نحو المغامرات بقدر ما هو النزوع نحو التعقل والسعي جدياً لبناء وطن ودولة تستوعب جميع مكوناتها وتفتح الأفق على تطوير مشروع للحياة السياسية.

باختصار، لا يريد الحزب قمع تطلعات حليفه بقدر ما يريد تبريد الرؤوس الحامية فيه وإعادته الى دائرة التعقل والحكمة ليكملا معاً ما شرعا به وما تعهدا بلوغه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*