“حزب الله” فرض أجندته في الجرود… الأولوية سورية فماذا عن تضحيات الجيش؟


إبراهيم حيدر
النهار
28082017


جرود راس بعلبك (تصوير مروان عساف).

أعلن “حزب الله” عن وقف اطلاق النار من الجهة السورية، ومباشرته تنفيذ الاتفاق مع “داعش” بالتعاون مع الجيش السوري، قبل أن يعلن الجيش اللبناني بدوره وقفاً لإطلاق النار من الجهة اللبنانية “إفساحًا للمجال أمام المرحلة الأخيرة للمفاوضات المتعلقة بمصير العسكريين المخطوفين.وهذا القرار الذي اتخذه الجيش جاء اضطرارياً وفق مصادر سياسية متابعة، على رغم أنه لا يخوض مفاوضات مع “داعش”، وهو الذي اشترط كشف مصير العسكريين قبل وقف النار. وتساءلت المصادر عن السرعة في اعلان “حزب الله” والجيش السوري وقف اطلاق النار من الجهة السورية، بعد محاصرة ما تبقى من “داعش” في منطقة لا تزيد عن العشرين كيلومتراً مربعاً، وكيف أن مسلحي هذا التنظيم الإرهابي طلبوا الاستسلام للخروج من المربع الأخير، علماً أنه كان يمكنهم الاستمرار في القتال كما فعلوا في الموصل العراقية وفي تلعفر، وفي الرقة ودير الزور في سوريا، ولماذا تذهب تضحيات الجيش اللبناني هباء بعدما تمكن من هزيمة داعش ودفع مسلحيه الى الاختباء في وادي مرطبيا، فكيف نعلن انتصاراً وظيفته سورية بالدرجة الأولى قبل أن تكون لبنانية؟

حقق “حزب الله” ما يريده من التفاوض. أعلن انه انتصر مع الجيش السوري في معركة جرود القلمون الغربي، وإن كان جمع الجيش اللبناني في معادلته السورية اللبنانية للنصر. هو استعاد جثامين مقاتليه، تمهيداً لإخراج مسلحي “داعش”، لكنه نسب الإنجاز لمعركته السورية، الى حد أن الوطنية اللبنانية لم تذكر الا على الهامش، لعلاقتها بالعسكريين المخطوفين. أما تضحيات الجيش الذي خاض المعركة في جرود راس بعلبك والقاع وأجبر المسلحين على الانسحاب نحو مربع صغير، فلم يترك له المجال للاستمرار في إنجازها حتى النهاية، وهو الذي سقط له شهداء وكان قادراً على تحقيق المهمة باستعادة دوره وموقعه لبنانياً، حتى أن اللبنانيين كانوا ينتظرون أن يعلن الجيش نصره على الإرهاب من دون تقييده ووضع شروط لمستقبل دوره، بالعلاقة مع الجيش السوري وبالتنسيق مع النظام.

انتهت المعركة مع “داعش” على الحدود اللبنانية السورية. فهزيمته وكل الارهاب مطلب لبناني شامل، ولا أحد يشكك بالتضحيات التي دفعت في هذه المعركة. لكن يجب التنبه الى أن المعادلة الجديدة التي ترسم، والتي ينفذها “حزب الله” برفعه على الحدود أعلام الحزب وسورية ولبنان، من الإنزلاق نحو تطبيع العلاقات مع النظام السوري تحت عناوين مختلفة، سيكون ملف الجرود أحد وجوهها الفاقعة، علماً أن هناك مسؤولاً عن دفع مسلحي “داعش” ومسلحي “النصرة” قبلهم الى التمركز على الحدود اللبنانية السورية واحتلالهم أجزاء من الأراضي اللبنانية منذ 5 سنوات، وعندما يتحدد المسؤول، يمكنمواجهة محاولات جر البلد الى مرحلة شبيهة بالوصاية السورية، وهي اليوم بأدوات مختلفة وبقوى تطمح الى ان تكون اقليمية ولها كلمة الفصل في كل الشؤون السياسية والأمنية والعسكرية. وها هو الجيش السوري و”حزب الله” يستعدان لفتح ممر خروج مسلحي تنظيم الدولة الاسلامية الى دير الزور أو اي منطقة يطلبونها من ضمن التسوية بين الطرفين، وكأن ملف العسكريين اللبنانيين المختطفين كان هامشياً ضمن الصفقة.

كان واضحاً موقف “حزب الله” منذ معركة جرود عرسال الأولى، وما يريده فعلاً بعد معركة الجرود، وفق المصادر. هو الذي يستمر في الإنخراط بمعركته الى جانب النظام السوري لإعطاء شرعية له، ثم مد الجسور اليه من الضفة اللبنانية. وكأننا نشهد اليوم تهميشاً للجيش اللبناني، علماً أن المفاوضات التي أديرت مع “داعش” أثرت في شكل غير مباشر على معركة الجيش والالتفاف اللبناني حوله، وكذلك على التسوية السياسية في البلد، خصوصاً أن أجندة “حزب الله” التي تستمر سورياً بمزيد من التورط، لا يمكن أن تسوّق لبنانياً ولا اجماع عليها.

ليس على اللبنانيين إلا أن يتنبهوا اليوم لكل ما يرسم للمستقبل اللبناني، وليس الكلام الذي أطلقه بعض المسؤولين أنه لا يوجد تفاوض اليوم بل استسلام ونصر الجيش. فالمعركة التي خاضها جيشنا كان يمكن استثمارها بطريقة تعزز من المناعة الوطنية اللبنانية، علماً أن الجيش وفق المصادر تفاجأ بمدى ما وصلت اليه المفاوضات بين “حزب الله” والجيش السوري من جهة، و”داعش” من الجهة الأخرى، بعدما كان يتحضر لخوض معركته الأخيرة والحاسمة لما تبقى من مناطق يحتلها التنظيم الإرهابي ولا تزيد عن العشرين كيلومترا مربعا على الحدود اللبنانية السورية. لكن الهجوم الأخير أخذ بالاعتبار قضية العسكريين المخطوفين، فكان الجيش يتريث في تحديد الموعد النهائي له، على رغم أنه لم يتوقف عن القتال.

سنشهد الكثير بعد اعلان “الانتصار” على “داعش”، بمزيد من انخراط الحزب في الداخل السوري، وبمزيد من إغراق لبنان في وحول معادلة جديدة سورية بطلها “حزب الله” والنظام، فأين ذهبت تضحيات الجيش، وكيف يعاد الاعتبار لدوره في حماية لبنان؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*