حزب الله بعد 17 عاماً انتصاراً وكلفة

 

لا جدال حول القفزة الهائلة التي حققها “حزب الله” بين العام 2000 تاريخ الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب وتحريره وبين واقعه الراهن اي خلال 17 سنة. فالانتصار الذي تحقق تلك السنة ايا تكن العوامل المشكلة او المؤدية اليه وفر للحزب ذلك الزخم الذي مكنه من الوضع اللبناني على قاعدة انه هو من حرر الجنوب. فقياساً على القدرة العسكرية اولاً وتوسع النفوذ على لبنان كله بحيث لا يمكن ان تقرر مؤسساته اي امر من دون ان يبتّه الحزب ومن ثم مساهمته كلاعب اقليمي في ازمات المنطقة وتحوله نقطة استهداف في حد ذاته فان الحزب ونتيجة ظروف ملائمة ومساعدات هائلة خرج من الاطار الضيق من الكر والفر اليوميين مع اسرائيل الى صاحب قرار اساسي لا يمكن تجاهله عززت من تأثيره الاخطاء الجسيمة والعثرات لخصومه. لكن كلفة ذلك باتت باهظة جداً على طائفته كما على لبنان ككل سواء اتصلت هذه الكلفة بقدرة الحزب على مواجهة اسرائيل استناداً الى تطوير قدراته الذي حصل بعد حرب 2006 او من خلال التجربة التي اكتسبها من انخراطه في الحرب السورية مساهماً في انقاذ النظام السوري برئاسة الرئيس بشار الاسد من الانهيار في مرحلة من المراحل. الدلالة الابرز على قدراته ان احداً لم يناقش ولا يستطيع ان يناقش الحد من قدراته عبر ضغوط عسكرية قد تدمر لبنان فيذهب ضحية حرب عبثية لا طائل منها. الكلفة الباهظة بات يواجهها لبنان ومعه الطائفة الشيعية عبر مسلسل العقوبات التي لم تعد تقتصر على الولايات المتحدة بل شملت ايضاً الدول الخليجية وهي تؤثر كلها في بيئته الحاضنة. هذه الكلفة تطاول التضييق على المصارف اللبنانية اميركياً في الوقت الذي وعلى رغم ما يعتبره كثر قدرات ردعية له لاسرائيل في اي حرب قد تفكر فيها ضده او ضد لبنان، فان الكلفة التي يمكن ان يدفعها لبنان في هذه الحال لا توضع على طاولة المناقشة جنباً الى جنب مع التهديدات لاسرائيل في وجه الصواريخ الى مدنها او معاملها. ويعايش لبنان شكلاً من اشكال الكلفة الباهظة في ما تمثله جملة المواقف والعقوبات من لبنان من اعاقة للنهوض الاقتصادي او الاستثماري على خلفية ربط الحزب لبنان بأزمات المنطقة وفي مقدمها الحرب السورية. واحد اوجه الكلفة الباهظة خسارته القدرة على حشد اللبنانيين وراءه، علماً ان المنطق يفترض الاقرار ان هذه القدرة كانت تحتمها الحرب مع اسرائيل. ومع انه خسر العباءة الواسعة التي وفرها الرئيس الراحل رفيق الحريري، فان العباءة التي توافرت له عبر رؤساء الجمهورية تباعاً منذ ايام الرئيس اميل لحود على خلفية نظرية تحالف الاقليات الذي لا يزال قائماً وبات اكثر فاعلية بعد انتفاضة السوريين ضد نظام بشار الاسد لم تكن كافية. اذ ان اغتيال الرئيس الحريري في عهد لحود ادى الى انسحاب الغطاء السوري الذي كان اساسياً وجوهرياً من اجل الحزب حتى اذا ما تحول لاحقاً الى التحالف مع العماد ميشال عون فان موقع رئاسة الجمهورية مهدد بالا يحظى بأي دعم خارجي قوي في ولايته على قاعدة الدفاع او تغطية الحزب ما لم يكن مقنعاً في السعي الى استيعاب الحزب من ضمن الدولة او كما قال الرئيس عون في استراتيجية دفاعية.

اللعب على المكشوف الذي اعتمده الحزب منذ اعلن صراحة عن ارتباطه الحيوي بايران وبقرارها تزامناً مع استعار الصراع السني الشيعي في المنطقة، علماً انه كان امر معروف ولم ينكره الحزب، بات ينظر اليه على انه يسترهن لبنان ومستقبله لحسابات الافرقاء الاقليميين كما كان زمن استرهان سوريا له لحساب آل الاسد. لا ينفي ذلك اقتناع بعض القواعد الشعبية بأن التحالف معه مفيد لاقليات معينة وخصوصاً المسيحية العونية على قاعدة ان لبنان مهدد من الارهاب الداعشي او من الاصولية السنية في ضوء مواقف سابقة للتيار العوني لا جدوى من العودة اليها. ويعتبر البعض ان الحزب كان محقاً حين لم يخف خشيته من ترشيح الرئيس سعد الحريري للعماد عون في الاشهر القليلة التي تلت انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان. فالتقارب السني المسيحي يمكن ان يصعّب الواقع اللبناني عليه خصوصاً في ظل ضغوط خارجية يفتقد لبنان القدرة على مواجهتها في حال التسليم جدلاً بالرغبة في الدفاع عن الحزب او يمكن ان يتعرض للتجاهل كما كانت الحال مع الرئيس عون في عدم دعوته الى قمة الرياض. هنا الكلفة مرتفعة ويمكن ان يجعلها الخارج اكثر ارتفاعاً اذا لمس ان اللبنانيين سيتبرّمون اكثر من التضييق عليهم بسببه. لكن الواقع ان لبنان بات في حال انتظار لأن هناك المسألة المتعلقة بالحزب وما يتصل به من صراع اقليمي ليس لبنان بعيداً منه، في انتظار ان تفاوض ايران او يتم التفاوض معها على ملفات المنطقة. الحجم الاقليمي للحزب يجعل بت موضوع سلاحه صعباً ومتشعباً وعصياً على تفاهم داخلي محتمل. ويلفت متابعون الى ما قاله رئيس الجمهورية العماد ميشال عون حين سئل قبل يومين عن البيان الاميركي السعودي الذي تحدث عن مساعدة الدولة على انهاء السلاح غير الشرعي “ان حل مسألة السلاح يتم من خلال الاتفاق على الاستراتيجية الدفاعية”، مضيفاً “ان الامن مستقر في الداخل لكن ليس على الحدود ولا تزال ازمة الشرق الاوسط من دون حل”. وهذا قد يكفي الحزب لجهة تمديد وجود هذا الغطاء الشرعي من جانب رئاسة الجمهورية حتى حل أزمة الشرق الاوسط، لكنّ كثراً يعتقدون ان السلاح يرهق ليس العهد ان لجهة التغطية او لجهة الكلفة على حد سواء فحسب، بل لبنان ايضاً.

rosana.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*