حريات وفلتان ورقابة

– الإثنين، ٦ فبراير/ شباط ٢٠١٧
الحياة
في لبنان سجال حول الحريات الإعلامية. انطلق هذا السجال مما سمي «الفلتان» التلفزيوني الذي غدا فاضحاً على الشاشات المحلية، لكنه سرعان ما اتسع ليشمل المفهوم الرسمي للإعلام وجدوى وزارة الإعلام نفسها التي تكاد تغيب عن معظم دول العالم المتقدم والعصري. وانتهز وزير الإعلام الجديد ملحم الرياشي الفرصة لإعلان سعيه الى إلغاء هذه الوزارة واستبدال اسمها بـ «وزارة الحوار والتواصل». لم يؤدّ السجال حول «الفلتان» التلفزيوني الا الى مزيد من «الفلتان» السجالي الذي ظهر واضحاً على الشاشات نفسها المتهمة به في بعض برامجها. وراحت كل شاشة تلقي التهمة على الأخرى مدافعة عن نفسها في ما يشبه المعارك الدونكيشوتية. هذه «المعارك» التلفزيونية كانت احتدمت قبل صعود هذا السجال اصلاً وبلغت دركاً لا يمكن تصوره. وكان ينقص هذه الشاشات مثل هذا السجال لتتبادل التهم علانية مستخدمة ألفاظاً نابية ومتجاوزة «الأخلاق» التي ينص عليها الميثاق الإعلامي.

معظم الشاشات المحلية تقدم برامج متهمة بـ «الفلتان»، وليس كلها طبعاً. البرامج التي تعتمد او تتقصّد الإسفاف والبذاءة والإثارة الرخيصة على اختلاف انواعها، باتت معروفة وهدفها المعلن استقطاب اكبر شريحة من الجمهور وقطف ارقام «ريتنغ» عالية، وهذه كلمة تتكرر كثيراً اليوم، وتعني لحظات البث الأكثر جذباً جماهيرياً. وكلما ارتفعت ارقام «الريتينغ» ازداد إقبال المعلنين وفاضت الإعلانات. في مثل هذه البرامج يستخدم المقدمون لغة يمكن ادراجها في خانة «الواقعية القذرة»: نكات اباحية ذات عيار ثقيل، حركات ذات دلالات جنسية مبتذلة، استقبال «فنانات» يستعرضن اجسادهن في ما يشبه العري، عبارات نافرة…

هذا «الفلتان» التلفزيوني الذي اعترضت عليه لجنة الإعلام في المجلس النيابي صوناً للأخلاق العامة او «الحياء» العام كما يقال، ليس الا ظاهرة من ظواهر «الفلتان» العام الذي تشهده البلاد وفي مقدمه الفساد الذي تخطى الخط الأحمر، علاوة على مسألة النفايات «الفالتة» والسلاح «الفالت» والسرقات المعلنة وغير المعلنة في مرافق رسمية شتى ومأزق الكهرباء والماء…

هل يمكن لجم هذا «الفلتان»؟ وزير الإعلام يعلم ان في مقدوره منع البرامج «الفالتة» او ضبطها ولجمها، لكنه لم يلجأ الى هذا الحل فاكتفى بالتنبيه والتلويح بـ «عصا» المنع، فهمّه الآن إلغاء وزارة الإعلام وإحلال وزارة الحوار والتواصل محلها، على ان تلقى مهمات وزارة الإعلام على عاتق «المجلس الوطني للإعلام»، ويا لهذا المجلس. لكن هذا التنبيه لم يكن له اثر في الشاشات المتنافسة، فهي اولاً لم تزل تتعارك على الهواء وتتبادل الاتهامات الرخيصة في احيان، وتصر ثانياً على تقديم البرامج «الفالتة» مع القليل من التشذيب. طبعاً لا يمكن منع هذه البرامج في عصر الإعلام «المفتوح» مع الإنترنت واليوتيوب وسواهما، ولكن على الشاشات نفسها ان تحافظ على الأخلاق الإعلامية فتنأى عن مزالق الانحطاط والبذاءة. لكنّ ما يجب عدم تجاهله هو ان لبنان يعيش الآن حالاً من والصراع الطائفي والمذهبي ازاء قانون الانتخاب، ولم يتفق اهل السياسة بتاتاً على طبيعة هذا القانون نظراً الى تضارب المصالح الطائفية وعدم التوازن الديموغرافي وبروز ثنائية الأكثرية والأقلية في بلد لا يتخطى مواطنوه الأربعة ملايين. وربما لم يشهد لبنان مرحلة مضطربة مثل المرحلة التي يجتازها الآن. انها مرحلة الاضطراب الشامل.

وبينما يسعى وزير الإعلام الى إلغاء وزارته وكله ثقة ان مشروعه سيتحقق، وهو اصلاً مشروع اعتباطي وغير علمي، تتعدى اجهزة الرقابة على فيلمين، الأول «مولانا» وهو مصري، فتحذف منه اثنتي عشرة دقيقة (فقط )، والثاني لبناني للمخرج الطليعي فيليب عرقتنجي وعنوانه «اسمعي» فتحدث فيه «ثقوباً» سوداً حفاظاً على السلم الأهلي. انها الرقابة تضرب هنا مستخدمة مقصها الصدئ بينما «الفلتان» يستشري على الشاشات التي تدخل كل البيوت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*