حرس الحقوق

سمير عطاالله
النهار
13122017

هناك خبراء في القانون، أي المتفوقون في معرفته، وهم كثيرون. وهناك المرجع القانوني، أي من يراجع القانون بضميره، من دون الرجوع الى أحد سواه. في الخبرة، تمر بمراحل وتجارب وامتحانات عدة فتحصل على الرتبة. في المرجعية، محاسبة يومية لا نهاية لها، لكي تبلغ المرتبة.

في بلد مثل لبنان، العدالة شائكة والقانون تأويل أحياناً، تعطى مراتب المرجعية بالاجماع العلمي والعقلي بين اهل المهنة، وبمباركة من مجموع الناس. ينالها من أخذ كتابه بيمينه، متسامياً فوق مشاعره الأولى، محلقاً فوق حواجز الخوف، لأن علمه هو أيضاً قسمه. ترجع الناس الى حسن الرفاعي عندما تشكك في ضعفها وتحار في صدق تفاسيرها. وينسى الناس على عتبته، أو تحت قناطره، الى أي طائفة ينتمي وبأي عقيدة يدين. هم هنا بسبب شكوك في معرفتهم، وهم هنا لثقة مطلقة بمعرفته. والجميع هنا بسبب طمأنينة كلية الى تلك العلاقة المقدسة بينه وبين القانون.

مساء الخميس الماضي كان المشهد كأنه مهرجان لأهل القانون في لبنان. القانون، بمعنى الحقوق، كما سماه الفرنسيون، وليس فقط العرف والحكم. وفي هذا الحشد كان على المنبر المعيان من الق المحاماة، ادمون رزق ورشيد درباس، مهمتهما الصعبة أن يُعرّفا بعَلَم الكتيبة الحقوقية، الجالس الى جانب أرفع شهود الدستور، الرئيس حسين الحسيني.

كانت القاعة في “معرض الكتاب (1)”، في أهل الندوة كما في حضورها، وكأنها القاعة الكبرى في كلية الحقوق. صحيح، أننا البلد الذي حوّل مدرسة الحقوق الرومانية من الأثر الكبير في وسط المدينة، الى “بوكس” زجاجي في قبوعلى الطابق الأرضي، ولكن الصحيح الجميل، كان هنا، فوق مطمر البحر، حيث وجد القانونيون اللبنانيون ما يفاخرون به، بعد العيب المذل الذي لحق بأبهى صفحات تاريخ روما الامبراطورية وفرعها في بيروت. هنا، في هذه المدينة البهية على ضفاف المتوسط، اختارت روما أن تكون مدرسة شرائعها، وليس على واحدة من تلالها السبع المطلة على معالم أمجادها وأعمدة قياصرها وقاداتها.

تشعشع بيروت، حين يكون الكتاب احتفالها وشعارها. ويتحول “البيال” الى حديقة عامة، يزدحم ويزدهر بالاطفال والشبان والبسطاء والعطاء وانسباء الفكر والأدب. وتعود بيروت الى شيفرتها القديمة: مدينة القراءة والكتاب ومدرسة الحقوق الأولى في العالم. وفيها، إلى جانب قصر الحكم في السرايا الكبيرة، كان قصر العدل وكانت شجرته القديمة، حيث تتفيأ العدالة، لكن دون أن يسري بها النعاس ويغلبها.

لكنه مهرجان موسمي، ويا للأسى. أما المشهد الدائم فيصوّره انطوان الدويهي بشفافيته المحزونة على المدينة التي كانت ذات يوم حديقة كل الفصول: “هناك وسط ركام المدينة المتنامية عشوائياً في الأرض والجو، عمائر همجية، مكدسة على مدى النظر كيفما اتجه، بلا بنية، ولا طراز، ولا ذاكرة، ولا تاريخ، ولا روح، حيث ما من شجرة ترجى ولا رصيف، ولا مكان لعابر سبيل خارج فيض المركبات الحديدية الهائل الخانق الشوارع والأزقة في انعدام الافق والرجاء” (2).

وصل العلامة الدستوري ومرجع القانون الاداري حسين الرفاعي، قادماً من بعلبك بطريق البرازيل. فعندما انتهى من دراسة الحقوق في جامعة دمشق، لم يكن يملك بدل التسجيل في النقابة ولا مصاريف حياة التدرج، ففكر في السفر الى الريو للزواج من قريبة أُرسلت صورتها إليه مع افادة موجزة بأنها من أهل الصناعات. فلما وصل الميناء بعد رحلة فوق البحار وعبر القارات، وجد في استقباله فتاة رثة الثياب، فادرك ان العوز سبقه الى بلاد الكرنفال! تدارك فوراً وقع الخيبة ومسألة الزواج، وبدأ يعمل لجمع ثمن تذكرة العودة عبر القارات وفوق البحار. كانت رحلة الإياب العام 1951 جواً. وصل الى باريس ومنها نقلته طائرة “آير فرانس” بمحرك واحد الى بيروت. ومن وصفه للطائرة يبدو أنها كانت ايضاً ذات علو واحد. وكان الراكب الذي امامه صاحب السعادة السفير كميل شمعون في طريقه الى ان يصبح رئيساً للجمهورية بعد قليل.

ولكن ما ان اقلعت طائرة المحرك الواحد، حتى لاحقتها الرياح والغيوم. واضطرت الى الهبوط في جنيف بانتظار تحسن الاجواء وخفض مطبات الهواء. دام الانتظار في جنيف اسبوعاً كاملاً عاد بعدها حسن الرفاعي الى بيروت، حيث سوف يبيع خاله قطعة أرض، يقتطع منها رسم التسجيل، وتبدأ في ديار القانون والسياسة رحلة من رحلات احد كبار اللبنانيين في مهنتين شرطهما الشطارة والحربقة. هو جعلهما العبقرية والاستقامة.

نجا النائب حسن الرفاعي من محاولة اغتيال قبيل الانتخابات الرئاسية العام 1981، فلما شفي من اثر الرصاص راح يبحث عن المرتكب من اجل أمرين: الأول ان يعفوعن الجاهل المدفوع، والثاني أن يطلب اقصى العقاب للمحرض اللئيم. لكنه لم يترك أن تتحول جروحه الى جدران وعداء. وظل شعاره في القانون وفي الحياة الآية: “ولا تزر وازرة وزر أخرى”.

معرض الكتاب الحادي والستون كان مثل جميع ما قبل: مجموعة اصدارات جديدة تعكس الوان طيف لبنان. في السيرة أو في الرواية أو في البحث أو في التأريخ، لا تزال بيروت تلتصق بالكتاب، كأنه صورتها وخلاصها. ولا ينسى انه بعد نهاية الحرب والركام لا يزال في كل مكان، أقيم معرض الكتاب في اقبية الهوليداي إن: بما ان المكان كان رمز أولى معارك التكاره، يجب أن يكون أول رموز الالتقاء.لا تليق حمى الضنك الطائفي “بهؤلاء القوم”، كما سماهم السيد بهاء الحريري، تقاتلوا كأنهم في فيلم هندي طويل، وتصالحوا كما في فيلم من أفلام ديزني. ومن ثم يتجمهرون في البيال لكي يقرأوا حكايات القتال كل وفق حكايته. تتطلب المسألة موضوعية في صلابة الفولاذ لكي تقرأ سورة الخلاص الوطني مثل حسن الرفاعي: الدستور يفسّر ولا يسخّر.

له نكهة خاصة معرض الكتاب في بيروت، منذ أن قال طه حسين إن الكتاب قد انتقل من القاهرة اليها. وعاد مصطفى أمين فقال إن بيروت الغارقة في الحرب تنافس القاهرة عندما يأتي الأمر الى الكتاب. العلاقة عضوية بين هذه المدينة والحرف. فعندما حظر الاتراك المطابع منذ اختراعها، باعتبارها تدر كتباً، والكتب تدر نوراً، والنور يعلم الحرية. عندها استطاع اللبنانيون أن يهرِّبوا المطبعة الاولى الى الجبل بعيداً عن حنق الولاية.

تكراراً، المعرض مرآة للنفس اللبنانية في جميع إبائها وجروحها. الرواية تقدم ضعف هذه النفس ومحنها. ومرة اخرى تطل مي منسّى “قتلت امي لأحيا (3)” ومعها شجرة العائلة الحزينة. ذلك الفصل من الحياة الذي سيصبح هاجس كل الحياة: طفولة بألف عذاب وأسى في ظل “شجرة رمان”، لكنها طفولة ترفض أن تغيب: ام تشقى، أب يقسو، وشقيق مرهف بالشعر حتى الإصابة بالجنون.

هذا البيت من الألم خرجت منه فينوس ومي عبد الساتر، لاحقاً فينوس خوري غاتا ومي منسى. الأولى كتبت سيرتها شعراً ونثراً، ومي ذهبت الى الرواية تغلف حقائق الحياة الاكثر بكثير من المخيلة، تحت ادعاء الرواية وحياديتها. لكن ما هي الا سيرة ذاتية من حكايات الشجن والشجى. ويزيد الايقاع في قوة الوقع. فأسلوب مي دفق متدفق من المشاعر والاحاسيس التي ترفض المصالحة مع الغفران أو النسيان. ما دام القدر قرر أن يكون غاشماً الى هذا الحد، فالثأر الوحيد أن تذكره دائماً بما فعل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*