حرتقجي الساعات: غادر القطار وأُقفلت السينمات وبقي في رياق

 

لوسي بارسخيان|الجمعة22/09/2017

المدن 

كابي الشامي مرجع في إصلاح الساعات النادرة (لوسي بارسخيان)

وسط الصمت الذي فرضه توقف القطار في الشارع الرئيسي لبلدة رياق في البقاع الأوسط، منذ بداية الأحداث اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي، تستوقف العابر “تكات” الساعات المنبعثة من “مشغل” كابي الشامي. فيكاد “طنينها” المرافق لحركة كل عقرب صغير، يكون التعبير الوحيد عن ديمومة الحياة في بلدته رياق.

الرجل السبعيني، الذي سيحتفل السنة المقبلة بيوبيله الذهبي في المهنة، يختزن أيام عز رياق في ذاكرته، لاسيما نهضة حيه، الذي كان يعرف سابقاً بشارع السينمات، نسبة إلى الدور الثلاثة التي نشأت على امتداده، وشكلت إلى جانب الملاهي الليلية والمقاهي محور الحركة السياحية المرافقة لنهضة محطة “التران” و”المطار” و”مصلحة الزراعة”، قبل أن تخسر رياق هويتها المرتبطة بهذه المقومات ويحل اليأس مكان حيويتها.

يذكر الشامي كيف كان “موكب” الدراجات الهوائية يمتد إلى أكثر من ربع ساعة عند خروج الموظفين من دوامات عملهم، وبين هؤلاء عدد كبير من الأجانب، الفرنسيين تحديداً، ولبنانيين من مختلف المناطق، نقلوا عائلاتهم إلى جوار مراكز عملهم. وكيف كانت أعداد المنتظرين على أبواب دور السينما تفوق أحياناً من وجدوا مقاعد أمام شاشاتها. فكان الحي الذي نشأت فيه “مصلحة” عائلته، أكثر الأحياء نشاطاً وحيوية.

ليس هذا ما يحفظه كابي الشامي في الذاكرة فحسب، بل يكاد أن يكون آخر المحترفين في إصلاح ساعات الحائط القديمة، “أورلوج”، بما تختزنه من قيمة معنوية وجمالية، تجعل مقتنيها يختارون أجمل الزوايا في بيوتهم لعرضها، من دون أن يفقده تراجع حال المهنة شغفه بكل “قطعة” تصل إلى يديه، كي يعيدها إلى أصحابها بمنتهى الدقة المطلوبة.

“حرتقجي الساعات”، كما يحب أن يسمي نفسه، متعدد الحرف. إذ إنه تخصص بالخراطة الميكانيكية، إلا أن قلة مردودها وتكاليف تجهيز مشغلها المرتفعة دفعتاه مجدداً إلى إتقان “مهنة عائلته”، بعدما كان والده وعمه وقبلهما جده من الأكثر شهرة في إصلاح الساعات. فأنهى 49 سنة من عمره ليقول: “الحمدالله أمضينا العمر هنا”.

داخل المحل، الذي حافظ عليه كابي كما هو، وحيث لا تزال علب سيجار “روميو وجولييت”، التي استخدمها والده لجمع أجزاء الساعات التي كان يفككها، يعمل كابي بالهدوء والشغف اللذين رافقا مسيرته المهنية منذ البداية. فهو ليس ساعاتياً، إنما فني. ومع احترامه عمل “الساعاتيين” الآخرين، يعتبر أن هناك فرقاً كبيراً بين إصلاح الساعات الحديثة، التي لا تتطلب في معظم الأحيان سوى “قطع غيار” والساعات القديمة. فـ”العمل هنا صعب ويحتاج إلى الصبر والدقة الميكانيكية”. أما إذا كان العطل مستعصياً فيصبح الأمر بالنسبة إليه بمثابة تحد لإيجاد الحلول. وهو لا يوفر وسيلة، حتى لو اضطره الأمر أحياناً إلى الذهاب إلى المخرطة من أجل بناء أجزاء جديدة للساعة التي بين يديه.

أكثر الأعطال التي تواجه هذه الساعات يسببها الغبار والزيت المتراكمان على العقارب، فيمنعان تحركها. أما إذا كان العطل في التواء العقارب أو حتى في محركها، فعندها يلجأ إلى معرفته الفنية في حل المعضلة. ولا ترهقه سوى الساعة التي عبث بها آخرون. عندها، يصبح عليه أن يصلح الأعطال التي خلفها هؤلاء قبل أن يكتشف مشكلتها الحقيقية.

هذه المعرفة بدقة العمل، جعلت كابي مرجعاً في إصلاح الساعات النادرة، لا يقارن نفسه سوى بقليلين ممن عرفتهم “المصلحة” سابقاً، كفيكتور داود وملحم خلف اللذين برعا في المهنة في زحلة خلال القرن الماضي.

ولعل سمعته الطيبة وصيته الجيد في إصلاح مثل هذه الساعات، هما ما أوصل إليه أنواعاً من الساعات النادرة، خصوصاً تلك الموجودة في دير الآباء البوليسيين في حريصا، وفي دير تعنايل، التي تعد من أقدم الساعات الموجودة في لبنان ويقدر عمرها بنحو 300 سنة.

لكن، رغم تعرفه إلى كثير من الساعات الجميلة، لم يشعر الشامي بإغراء اقتناء أي منها، ولا حتى ساعة يد. وهو يقول إنه انتظر العمر ليجد الساعة التي تناسبه أكثر
من سابقاتها، وانتهى به الأمر من دون ساعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*