حرب إيرانية – إسرائيلية فوق الأراضي السورية

عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب عن رغبته في سحب قواته من سورية، قابل وزير الدفاع جيمس ماتيس والقادة العسكريون هذا القرار بالامتعاض والحذر. خصوصاً بعدما أتبع قرار الانسحاب بعبارة إضافية قال فيها إنه سيتخلى عن الساحة السورية لحارسي النظام إيران وروسيا.

ويرى المراقبون أن الامتعاض الذي أظهره العسكريون ينم عن اعتراض شديد على نزوات رئيس لا يملك إستراتيجية واضحة، الأمر الذي يسبب الإحراج للذين يتحملون تبعات الأمن القومي الأميركي.

والثابت أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان أول مَنْ حثّ الرئيس ترامب على عدم سحب قواته من سورية لأسباب مختلفة، بينها:

أولاً – إذا كانت عملية توقيت الانسحاب مرتبطة باستكمال تنفيذ طرد جماعة «داعش» من العراق وسورية، فإن استمرار النشاط الذي تقوم به الميليشيات الإرهابية يناقض التصريحات التي أدلى بها الرئيس بشار الأسد ورئيس وزراء العراق حيدر العبادي.

ثانياً – في حال غادرت قوات الولايات المتحدة سورية فإن الائتلاف الدولي ضد «داعش» سينفرط عقده. خصوصاً أن الدول الأخرى لا تستطيع فرض سيطرتها على أراضي سورية الشرقية والشمالية الشرقية الغنية بالنفط والغاز.

ثالثاً – طلب ماكرون من ترامب عدم اليأس من إمكانية استرجاع العلاقة التركية مع الدول الغربية، بعدما ضمتها روسيا الى مدارها السياسي. وفي تصوره أن القوات التركية والفصائل المسلحة الموالية لها من المعارضة السورية قد تملأ الفراغ الذي يتركه الأميركيون. وكان وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون قد أعطى موافقته على عملية «غصن الزيتون،» بخلاف موقف بشار الأسد.

ومع أن نصائح الرئيس ماكرون قيلت في مناسبة يعود تاريخها الى أكثر من شهرين تقريباً، إلا أن أحداث هذا الأسبوع في العراق جاءت لتثبت صحة التوقعات التي ذكرها الرئيس الفرنسي. ذلك أن القوات الأمنية العراقية بدأت حملة أمنية واسعة صادرت خلالها آليات عسكرية تابعة لـ «داعش.» كما عثرت على معاقل وأنفاق سرية ومخابئ للأسلحة، في مناطق نينوى وصلاح الدين والأنبار.

برر الرئيس ترامب الهجوم الذي أمر بتنفيذه ضد مواقع سورية بالادعاء أنه يجدد الموقف السياسي الذي اتخذه من قبله الرئيس رونالد ريغان. واختار في ردّه عبارات من خطاب سلفه الذي أعلن من منبر الأمم المتحدة فرض حظر على الأسلحة الكيماوية.

وركز ريغان في آخر خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة على آفاق السلام في العالم، وبشكل خاص على دول الخليج العربي وأفغانستان والعراق وإيران. كذلك أثار موضوع استخدام الغازات السامة والأسلحة الكيماوية في حلبجة العراقية وميدان – شهر الإيرانية. وفي نهاية خطابه، دعا كل البلدان الموقعة على اتفاق جنيف لسنة 1925 الذي يحظر استخدام الأسلحة الكيماوية، الى عقد مؤتمر ينظر في الإجراءات الواجب اتخاذها لمنع حدوث انتهاكات جديدة لهذه المعاهدة. وقد كرر الرئيس ترامب هذا الطلب بهدف تجنّب تحوّل منطقة الشرق الأوسط الى ميدان قتال أشد فتكاً مما هي عليه الآن.

عقب الضربة الثلاثية التي شنتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ضد أهداف في سورية، أعلنت فرنسا أنها تريد العمل من أجل إحياء العملية السياسية في سورية. وأيدت ألمانيا الضربة، إلا أنها دعت الى إحياء عملية السلام في أسرع وقت ممكن. في حين عارضت الصين الضربة العسكرية، واعتبرت أنها تعقد حل الأزمة.

المخاوف التي أطاحت توقيت الضربة، وتأجيل تنفيذها مدة تزيد على السبعين ساعة، كانت مخاوف مشروعة بسبب تداخل الجيش السوري مع القوات الإيرانية وجماعة «حزب الله.» لذلك حاذر منفذو الضربة الثلاثية من توسيع رقعة النزاع على نحو يعرِّض المهاجمون الى الاصطدام مع القوات الإيرانية أو الروسية.

والملفت أن إدارة طيران الشرق الأوسط كانت بين الشركات التي علمت مسبقاً بتوقيت الهجوم. والسبب أن «الوكالة الآوروبية للسلامة الجوية» طلبت من «الميدل إيست» تعليق مسار رحلاتها فوق سورية وقبرص لمدة 72 ساعة. وقد تزامن قرار التعليق مع موعد إقلاع الطائرات البريطانية من قاعدة أكرتيري في جزيرة قبرص.

ولما اعترض زعيم حزب العمال جيرمي كوربين على قرار إقحام بريطانيا في معركة حربية ضد سورية، ردّت عليه رئيسة الحكومة تيريزا ماي بالتذكير أن الجاسوس المزدوج سيرغي سكريبال وابنته شاهدان على خطورة استعمال الأسلحة الكيماوية.

يوم الأحد الماضي وصل الى دوما السورية خبراء منظمة حظر الأسلحة الكيماوية برفقة وزير الصحة السوري نزار يازجي. والغرض من زيارتهم جمع معلومات وأخذ عينات من التربة للبحث في مختبرات المنظمة عن صحة الأدلة التي استندت إليها أميركا وبريطانيا وفرنسا لتنفيذ هجوم التأديب.

وبعد ساعات قليلة من ترجيح باريس أن تكون الأدلة قد اختفت من موقع الهجوم، صرح وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف بأن العدالة في الغرب تناقض كل مبادئ الديموقراطية. والسبب أن الدول المغيرة استندت الى الشكوك فقط، وهي حالياً تبحث عن الأدلة بعدما دمرت ثلاثة مواقع عسكرية مرتبطة ببرنامج التصنيع الكيماوي في حمص ودمشق.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دافع عن موقفه بالاستناد الى منظمة الصحة العالمية التي دانت هجوماً بأسلحة كيماوية في مدينة دوما. وقال أيضاً إن هناك خمسمئة شخص توجهوا الى منشآت طبية بأعراض تتفق مع التعرض لكيماويات سامة.

النظام السوري تجاهل العملية الثلاثية، وادّعى أن دفاعاته الجوية أجبرت الطائرات المغيرة على الفرار. وكرر مذيع التلفزيون الرسمي السوري عبارة: «زوبعة في فنجان» أثناء وصف الهجوم المشترك. وقد ظهر على شاشة التلفزيون أيضاً بشار الأسد وهو يصافح العسكريين والمدنيين الذين تحلقوا حوله وهتفوا باسمه.

من جهة أخرى، قام الطيران الإسرائيلي بقصف مطاري «الشعيرات» و «الضمير» بعد عملية خرق للأجواء فوق حمص انتهت بقصف مطار «تي فور». يأتي ذلك في وقت أفادت «الإذاعة الإسرائيلية» بإقامة تعزيزات عسكرية واسعة عند الحدود الشمالية تحسباً لهجوم ايراني، رداً على قصف «تي فور» الذي أدى الى مقتل سبعة عسكريين ايرانيين.

في أعقاب هذه الغارة أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي أن بلاده سترد في الوقت المناسب على الهجوم الإسرائيلي على مطار «تي فور».

ومن باحة عاشوراء في الضاحية الجنوبية لبيروت، قال أمين عام «حزب الله» إن اسرائيل ارتكبت خطأ تاريخياً بالعدوان المباشر على قاعدة مطار «تي فور» في ريف حمص. وقد أدت تلك العملية الى استشهاد سبعة من ضباط وأفراد الحرس الثوري. وذكّر السيد نصرالله في كلمته الى أن هذه السابقة لم تحدث منذ سبع سنوات. وقد حذر الأمين العام الإسرائيليين «من عواقب هذه الحماقة الكبرى، التي أدخلت دولة اليهود في قتال مباشر مع ايران».

وعلى وقع تهديدات طهران و «حزب الله»، كرّس بنيامين نتانياهو يومين كاملين لمراجعة كل الاحتمالات مع رئيس هيئة أركان الجيش الجنرال غادي ايزنكوت وقادة الأذرع الأمنية الأخرى.

وذكرت صحيفة «هآرتس» أن اسرائيل تنظر بجدية كبيرة الى تهديدات ايران، الأمر الذي عزز جاهزية الجيش على الحدود تحسباً لأي عمل انتقامي.

ونقلت صحيفة «معاريف» عن أوساط عسكرية تهديدها بأنه في حال قامت ايران بأي عمل ضد اسرائيل من الأراضي السورية، فإن الرئيس الأسد ونظامه سيختفيان عن الخريطة!

على ضوء هذا النزاع المدّول، اتسعت فسحة المواجهات العسكرية المباشرة، خصوصاً بعدما قررت اسرائيل مواصلة هجماتها ضد قواعد تنتشر فيها قوات فيلق القدس برئاسة الجنرال قاسم سليماني. ويحدد المراقبون يوم 12 أيار (مايو) المقبل موعداً مفصلياً يتعلق بمراجعة الاتفاق النووي المبرم مع طهران في تموز (يوليو) 2015. وتشير معظم التوقعات الى احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. وحجّة المتخوفين تستند الى استبدال وزير الخارجية المعتدل بمايك بومبيو المتطرف، إضافة الى صديقه جون بولتون.

وتشير هذه التعيينات الى الاستعداد لمجابهة ايران ومنع توسعها، سواء في دائرة الانتشار النووي والبالسيتي أم في دائرة التمدد الى العراق وسورية ولبنان واليمن.

ويقول الرئيس حسن روحاني إن تمدد ايران في المنطقة اعتمد على أخطاء السياسة الأميركية منذ سنة 2003. فهل تكرر واشنطن هذه الأخطاء؟!

 

* كاتب وصحافي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*