حاولت السعودية إحياء 14 آذار فرفض جنبلاط


سركيس نعوم
النهار
28062018

فاجأت الزيارة الأخيرة التي قام بها الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط للمملكة العربية السعودية، بعد انقطاع طويل، والتي التقى خلالها عاهلها سلمان بن عبد العزيز وولي عهده نجله محمد بعض الأوساط السياسية وليس كلّها. من أسباب التفاجؤ مواقف داخلية له تختلف عن مواقفها اللبنانية بل عن سياستها في لبنان، وتعليقات انتقادية لحرب اليمن التي تخوض منذ نحو ثلاث سنوات من دون نجاح في حسمها حتى الآن، وخصوصاً من الناحية الانسانية. إذ دفع الشعب اليمني وتحديداً المدنيون فيه الثمن الأكبر لهذه الحرب التي تُسأل عنها المملكة كما تُسأل الجمهورية الاسلامية الايرانية. وقبل أن تعرف شعوب لبنان ماذا جرى فيها ومضمون المحادثات التي تخللتها، انطلق زعماء لها وقادة في هجوم اعلامي عليه معتبرين أن المواقف التي أطلقها بعد انتهاء الزيارة عن “العهد الرئاسي الفاشل” وعن رفضه عودة النازحين السوريين الى بلادهم، التي يعمل لها رئيس الجمهورية ووزير خارجيته لأنها تصب في مصلحة الأسد الذي تسبب في تهجيرهم، معتبرين أنها تصب في مصلحة السعودية وأنها كانت مقابلاً لمساعدات مالية تلقاها من الرياض.

هل يمكن معرفة مضمون المحادثات الجنبلاطية – السعودية؟

الزعيم الدرزي الأبرز لا يفصح عن محادثاته سواء في لبنان أو مع قيادات ومرجعيات عربية واقليمية ودولية. وحتى عندما يفصح فإن ذلك يكون سريعاً ولمّاحاً في الوقت نفسه وهادفاً الى إيصال رسالة وموقف أو تحذير. وهذا يسري أيضاً على زيارة المملكة. لكن قريبين من حزبه التقدمي الاشتراكي يقولون إن المحادثات التي جرت كانت استذكاراً للماضي وللعلاقات الجيّدة بل الممتازة التي قامت من زمان بين آل جنبلاط والعائلة المالكة في السعودية. كما كان فيها جانب سياسي أيضاً مهم لبناني وإقليمي. ويتوقفون هنا، لكنهم “يعوِّضون” عن ذلك أو يحاولون التعويض بالحديث عن الموقف الراهن للمسؤولين الكبار فيها من الوضع اللبناني الراهن وتطوراته. فيقولون أمراً معروفاً هو أنهم منزعجون من انفراط عقد مجموعة 14 آذار، ويتمنون إحياءها ويبذلون جهوداً حثيثة من أجل ذلك. لكنهم يلفتون الى أن “السعودية” التي يحكمها الملك سلمان وخصوصاً نجله وولي عهده محمد لا تعرف كثيراً شؤون لبنان وأوضاعه رغم أن الحكم في أي دولة هو استمرار، وهذه قاعدة معروفة، ورغم أن لها تاريخاً طويلاً من التعاطي مع شعوبه وزعمائه وقادته وأحزابه وشخصياته. وربما كان من المستحسن اطلاع المسؤولين في الرياض على “أرشيف” أي محفوظات وزارة الخارجية في بلادهم وأجهزة الأمن والاستخبارات باعتبار أن الجهتين تعاملتا مع لبنان الرسمي والسياسي والشعبي، وهذا تعامل قامت به مع هذا اللبنان نفسه دول عدة عربية وإقليمية و”دولية”. وينطلق القريبون أنفسهم من الحزب الاشتراكي ليقولوا إن وليد بك غادر 14 آذار قبل اكتمال انفراطها بالممارسة والاعلان. وقد أبلغ ذلك الى الموفديْن السعودييْن نزار العلولا والسبهان لدى زيارتهما بيروت أول مرة أي ربما قبل أشهر، في أثناء استقباله إياهما في دارته. لكن السعودية التي استمعت إليه لم تيأس منه فقررت المحاولة معه مرة ثانية، واقترح عليه موفداها رعاية عشاء ثلاثي يضم اليه الرئيس سعد الحريري ورئيس “حزب القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع. لكنه اعتذر عن قبول الاقتراح ووفّر حفل افتتاح “جادة” الملك سلمان في بيروت مناسبة جديدة للبحث في هذا الموضوع. إذ دُعي الزعيم الدرزي الأبرز رسمياً الى الاشتراك فيه وفي افطار رمضاني كان مقرراً أن يعقبه في دارة السفارة السعودية. فلبّاهما لكن قبل الانتقال الى الافطار همست في أذنه شخصية مهمة من حزبه أن قريباً من الديبلوماسية السعودية أخبره أن محاولة لعقد اللقاء الثلاثي الذي تعذّر سابقاً قد تتكرّر في أثناء الإفطار أو على هامشه. فكان جوابه: “عال نرى ماذا يحصل ونقول رأينا بكل صراحة”. وبالفعل استأذن المضيف السعودي ضيوفه الكثيرين على الافطار ودعا “الزعماء” الثلاثة الى خلوة في قاعة جانبية. بدأ الكلام ثم البحث انطلاقاً من موقف السعودية وموقف الحريري وجعجع الداعيين الى إحياء 14 آذار. لاحظ جنبلاط في الاجتماع ازدياد الوزن السعودي لجعجع. أما الحريري فبدا مرتبكاً وبدأ أيضاً عجزه عن رفض السير في مشروع الاحياء. طبعاً كرّر جنبلاط رفضه الاقتراح أو الطرح رغم إعطاء الزعيميْن الآخرين حججاً عدة تدعم مشروعهما، ومنها رفض تخصيص أي طائفة أو مذهب بأي وزارة والمداورة في الحقائب الوزارية وخصوصاً السيادية منها. وجرت محاولة للعب على وتر الأقليات باقتراح تولّي إحداها، والطائفة الدرزية واحدة منها، حقيبة سيادية. ثم طُرِح موضوع الفساد مع محاولة غير صريحة أو ربما غير مباشرة لتحميل الرئيس نبيه بري مسؤولية كبرى عنه. فكان جنبلاط حاسماً في رفضه كل العروض، وقال للحريري وجعجع “أنتما تحاولان التفاهم أو التحالف ضد الشيعة عموماً والرئيس بري خصوصاً. وأنا لا أمشي بذلك ولن أطعن بري في ظهره. أما الفساد الذي تتحدثان عنه فموجود عند الجميع المسيحيين والمسلمين بطوائفهم والمذاهب”. استهجن الحريري وسأل “نحن فاسدون كمان؟” فأجاب جنبلاط نعم. ثم أثار جنبلاط السياسة التي ينتهجها رئيس الجمهورية ميشال عون ووزير خارجيته وصهره جبران باسيل فقال “إنهما عدّلا “اتفاق الطائف” بالممارسة وبمحاولة إرساء أعراف غير مقبولة من خلال اعتماد مقولة الرئيس القوي ومحاولة ممارستها”. وسأل أخيراً قبل أن تنفضّ الخلوة: “هل تقبلون ذلك؟”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*