حاميها حراميها

]

صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
الشرق الأوسط
13042018

كثيراً ما يستغرب الأجانب عند زيارتهم للعراق، بلد الجنائن المعلقة وألف ليلة وليلة وهارون الرشيد. يدخلون فلا يجدون أي قصور مما خلفه الخلفاء والأمراء من روائع معمارية. يظهر أن هناك لعنة (لم يسمع بها صدام حسين) على كل من يبني قصراً فيه. هكذا تشاءمت العائلة المالكة من قصر الزهور الذي بناه فيصل الأول. فما انتهى العمل فيه حتى توفي. تلاه ابنه الملك غازي، وإذا به يلقى مصرعه بعد سنوات قليلة في تلك الحادثة المروعة والباقية في أذهان العراقيين، حادثة موته في اصطدام سيارته. تشاءمت زوجته الأرملة، الملكة عالية من ذلك القصر فأخذت ابنها الطفل فيصل الثاني، وانتقلت به إلى دار أخيها المتواضع، قصر الرحاب، دار الأمير عبد الإله. وما هي إلا سنوات حتى ماتت بالسرطان. ثم جاء الضباط الأحرار فأبادوا كل من كان فيه من الأمراء والأميرات وهدموا القصر. وبعدها حوّله صدام حسين إلى سجن مختص بالتعذيب، وسمّوه قصر النهاية. ويا لها من تسمية. بقي قصر الزهور خالياً حتى جاء الرئيس الغيني فأسكنوه فيه. على اعتبار أنه إذا أصيب هو أيضاً بالسرطان فلن يكون أمراً ذا بال عند العراقيين.
كان ذلك في عهد الرئيس عبد السلام عارف. لا أتذكر عنه شيئاً، لكنني أتذكر صديقي إقبال الفلوجي. كان عندئذ موظفاً دبلوماسيا عنده. وبالنظر لمعرفته باللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ فقد عهدوا إليه بمصاحبة الضيف الرئيس الغيني. وكما تقتضي أصول البروتوكول، قام الرئيس العراقي بزيارته في مقامه في قصر الزهور. تولى عندئذ صديقي الهمام مهمة الترجمة بين الرئيسين. بدأها عبد السلام عارف بالحديث عن الثورة، وكيف أسقطوا النظام الملكي، وقتلوا الملك الطفل فيصل الثاني وأقاموا الجمهورية، ربما احتذاء بغينيا.
بالطبع شملت الزيارة التفرج على أرجاء القصر الملكي وحدائقه. ثم عرج الرئيس عبد السلام عارف إلى الحديث عن مهمته عندما كان ضابطاً مسؤولاً عن حراسة العائلة المالكة وقصورها، بما فيها ذلك القصر، قصر الزهور. لاحظ الرئيس العراقي أن المترجم إقبال الفلوجي لم يترجم هذا الجزء من حديثه فالتفت إليه وقال: «إش بك ساكت؟ ما ترجمت هالكلام للرئيس سيكوتوري حتى يعرف أني أنا كنت المسؤول عن حراسة الملك وكل هذي القصور؟»، أجابه إقبال الفلوجي بما عرف عنه من دبلوماسية فقال: «سيدي الرئيس، أخشى أن أترجم كل هذا الكلام وبعدين الرئيس سيكوتوري يقول مع نفسه حاميها حراميها!».
طبعاً لو كان السامع صدام حسين لما عاش صديقي أبو محمد إلى اليوم ليروي هذه الحكاية بكل صدق ودقة، لكن السامع كان عبد السلام عارف، وهو بحد ذاته كان منكتاً ظريفاً يستمتع بالنكتة. فنظر في وجه صديقي الفلوجي ثم انفجر ضاحكاً، وقال له: «ملعون، أنت حقيقة عاقل ومجنون. كيف توصلت لهذا الجواب!».
بعد هذه الزيارة الموجزة لقصر الزهور، احترقت الطائرة العمودية التي كانت تحمل الرئيس العراقي في جنوب العراق ومات محترقاً بسقوطها، فرددوا «لا حول ولا قوة إلا بالله. صعد لحمة ونزل فحمة»!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*