حاكم المركزي عندما “جرّوه من قدميه” لأنه لم يأذن بالدفع!

أحمد عيّاش
النهار
09012019

مصرف لبنان.

لم يعد خافياً على أحد أن إطلالات حاكم مصرف لبنان #رياض_سلامة على الرأي العام بصورة متكررة، باتت ضرورة ملحّة كي تشيع الطمأنينة داخلياً لجهة استقرار سعر صرف الليرة التي تمثل إحدى أهم ركائز الاستقرار الوطني. وفي الوقت عينه، ليس خافياً على أحد من المسؤولين المصاعب التي تضغط على الاستقرار النقدي وابرزها انسداد أفق تأليف الحكومة الجديدة التي يعوَّل عليها لإطلاق مرحلة نهوض لا يبدو انها وشيكة. فما هي التوقعات المتداولة للمرحلة المقبلة في ظل هذا التناقض بين تطمينات حاكم المركزي وبين تردّي الواقع السياسي؟

من المرات النادرة التي يخرج فيها مسؤول مالي مرموق بوثائق عن أسرار الدولة المالية، كما فعل نائب حاكم مصرف لبنان غسان العيّاش في فترة ما بين عاميّ 1990 و1993. ففي كتابه الذي حمل عنوان “وراء أسوار مصرف لبنان” الصادر عن “دار سائر المشرق” قبل بضعة أسابيع، يقول العيّاش في مقدمته “ان مسؤولي المصارف المركزية يمتنعون عادة عن نشر معلوماتهم وتدوين تجاربهم، نظراً لما تتصف به المسائل النقدية من هالة وسريّة”. لكنه برر خروجه على هذه العادة بـ”مرور أكثر من 25 عاماً على الوقائع التي يتضمّنها الكتاب”، كما قال “ان حماية استقرار سعر صرف هي هدف بالغ الاهمية… لكن المصلحة الوطنية تقضي بتحقيق هذا الهدف عن طريق تحسين المالية العامة والادارة العامة وتنظيفهما، وليس الاكتفاء بمناورات مصرف لبنان وأدواته واحتياطه فحسب”.

لا يمكن عرض كل الوثائق والمعطيات التي ضمّها الكتاب بين دفّتيه بصفحاته التي تناهز الـ175 صفحة. لكن يمكن التوقف عند ما رواه النائب السابق للحاكم المركزي تحت عنوان “جلب الحاكم بقوة السلاح”. ونقرأ في الصفحة 93 من الكتاب: “في سجل محاضر جلسات المركزي لمصرف لبنان، هناك محضر لا مثيل له، على الارجح، في تاريخ المصارف المركزية في العالم. انه محضر شديد الايجاز لجلسة 15 آذار 1990، التي انعقدت برئاسة الحاكم (ادمون نعيم) وحضور الاعضاء كافة. وقد احتفظتُ بصورة عن المحضر لكونه وثيقة “نادرة”، إذ جاء فيه حرفياً: “… بدأ المجتمعون البحث في موضوع فتح اعتماد لوزارة الداخلية من أجل طباعة مليون جواز سفر. وأثناء المداولة طُلب الحاكم للتكلم مع فخامة رئيس الجمهورية (الياس الهراوي) فاعتذر من المجتمعين وذهب للتكلم مع فخامة الرئيس. وما هي إلا دقائق، علمنا ان الحاكم يتعرّض لاعتداء أثيم من قبل مجموعة مسلّحة مرسلة من قبل معالي وزير الداخلية (الياس الخازن). وهكذا رُفعت الجلسة لعدم التمكّن من إكمالها بعد الحادث”. ويروي العيّاش كشاهد، ان ضابطاً من قوى الامن ومعه 14 مسلحاً طلب من الحاكم “الحضور معه الى مكتب وزير الداخلية لشرب فنجان قهوة”. لكن الحاكم امتنع عن مرافقة الضابط الذي “أمسك ومرافقيه بالحاكم من قدميه وجرّوه الى الخارج فيما رأسه على الارضّ”!

وفي خلاصة لا تغني أحداً عن قراءة الرواية الكاملة، ان الحادث الفريد من نوعه وقع بسبب الخلاف “بين نظرية إدمون نعيم الاستقلالية ورغبة السلطة الجديدة في الهيمنة على مصرف لبنان لكي تغرف من أمواله بحريّة مطلقة!”.

ما حصل عام 1990 وما يحصل اليوم سنة 2019، أي بعد مرور 29 عاماً، يحمل الكثير من الشبه. وإذا ما وضعنا جانباً ما تعرّض له الحاكم المركزي السابق، نجد ان العبرة الاساسية التي يوردها صاحب الكتاب هي “ان التحدي الاكبر لمصرف لبنان…هو كيفيّة مواجهة تمويل عجز الموازنة”.

يقول مصدر وزاري في حكومة تصريف الاعمال لـ”النهار” ان جهد رئيس مجلس النواب نبيه بري “يتركز حالياً على عودة حكومة تصريف الاعمال الى ممارسة وظائفها بسبب استحالة تشكيل حكومة بعد مرور أكثر من 8 أشهر على محاولات تأليفها. وفي طليعة المهمات التي يجب أن تضطلع بها الحكومة الحالية، ومن ثم البرلمان، إقرار موازنة هذه السنة التي ستكون الاكثر تقشفاً منذ عقود”. وكشف المصدر ان وزير المال علي حسن خليل “يحمل همّاً أساسياً في مشروع الموازنة الذي أعدّه يتمحور على خدمة الدين العام الذي هو في المرتبة الثالثة عالمياً ودفع رواتب القطاع العام”. ولمّح المصدر الى “ان قرار خفض الرواتب موضوع على طاولة البحث”.

يلفت المراقبون الى ان حاكم المركزي أطلَّ تباعاً خلال أقل من شهر ونصف شهر، وتحديداً ما بين 26 تشرين الثاني 2018 و7 كانون الثاني الجاري، ليردد عبارة متشابهة هي، كما جاء بعد لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون “ان الامكانات متوافرة لمتابعة تنفيذ السياسات النقدية التي يتبعها مصرف لبنان والتي حققت الاستقرار المالي في البلاد”. ورأى هؤلاء ان تطمينات الحاكم تمثل أحد قطبَيّ مظلة الحماية الخارجية للاستقرار في هذا البلد، وهما: الاستقرار الامني عبر دعم الجيش وسائر القوى الامنية، والاستقرار النقدي عبر المصرف المركزي. والسؤال الذي يتردد في الاوساط السياسية والمالية هو عن مدى استمرارية هذه المظلّة؟

لا جدال في ان الكثرة الساحقة من اللبنانيين ترجو ان تبقى مظلة الحماية هذه قائمة. كذلك لا جدال في ان الحاكم سلامة، صاحب الخبرة المشهود لها، في منأى عن مروره بالتجربة الاليمة التي تعرّض لها الحاكم الراحل ادمون نعيم. لكن ذلك لا يمنع القلق من ظروف تؤدي الى “جرجرة” لبنان وليس الحاكم من قدميه بسبب هذا الفشل الذريع في وضع لبنان على سكة الخلاص!

ahmad.ayash@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*