جهوزيةُ الفالِجَيْن السُنّي والشيعي


جهاد الزين
النهار
08082017

حتى الظهور الجدّي لفكرة ترشيح سعد الحريري، أو السماح له بترشيح سليمان فرنجية صديق عدو السعودية بشار الأسد وأصدقائه… للرئاسة، إلى التطور الأكبر وهو ترشيح الحريري لميشال عون صديق كل أصدقاء بشار الأسد… للرئاسة، كانت السياسة اللبنانية مملة لسنوات طويلة. تعرف سلفاً ماذا سيقول السياسي أو الصحافي من هذا الفريق أو ذاك. هذان الترشيحان خرق ثانيهُما الوضعَ وتحوّل إلى معطى جديد لبناني. وظهر أكثر فأكثر أنه كان على إيقاع تحولات بطيئة ولكن جدّية في المنطقة.

لفت نظري الأسبوع الماضي مقالان محليان يخترقان هذه الرتابة، الأول في جريدة “الشرق الأوسط” للزميل نديم قطيش، وهو عادةً من الزملاء الذين تعرف ماذا سيقول ليس فقط سلفا بل حتى قبل أن تراوده فكرة مقاله “الأخير”. يحلّل نديم في المقال لماذا صار المسيحيون اللبنانيون يرون في الحركات الجهادية السنية هي العدو، بل كل السُنّة، وليس الحركة الجهادية الشيعية الممثلة بـ”حزب الله” أو الشيعة عموماً. تحليل جريء ويبدو المقال ظاهريا وكأنه يخدم من يعاديهم نديم بشراسة من مكتبه في دبي. لكن في الواقع يشكِّل ما قاله عموما نظرة توصيفيّة جدية وشجاعة يجب أن يقرأها من ينتمي نديم إليهم بكل جوارحه ومصالحه. وسيكون من غير الحصيف في تلك البيئة أن يُستغَل ذلك ضده لدى هؤلاء.

المقال الثاني هو مقال الزميل نبيل أبو منصف في “النهار”. المقال بعنوان: عن “المسيحي المفيد”، قياسا بتعبير “سوريا المفيدة” يعالج فيه نبيل ظاهرة نقص الشعور السيادي لدى المسيحيين اللبنانيين بما يجعلهم أقل اشتراطا على هذا الصعيد مما كانوا عليه سابقاً. أنا لا أوافق الزميل على رأيه حين يجعل التراجع السيادي يصب لمصلحة فريق واحد لأن المسيحية السياسية، وهي سيادية تقليديا، تعوّدت منذ نهاية الحرب الأهلية، وهو يشير إلى ذلك، على حقيقة هزيمة النظرة السيادية الصافية للبنان، ولكن المسيحيين اللبنانيين لا زالوا وحدهم، وأكرر وحدهم، البيئة الحاضنة الثابتة للفكرة السيادية اللبنانية رغم كل تحولاتها وانتكاساتها واغتصاباتها ونضجها. فالبيئة السنية كما البيئة الشيعية، حتى لو اقتربتا أحيانا من السيادية، كما لدى السُنّة في “ساحة البرج” في 14 آذار 2005 أو لدى الشيعة هذا الأسبوع في جرود عرسال، لا تزال مهيأة لانفجارات والتحاقات غير سيادية إذا ظهر تيار كبير أيديولوجي أو سياسي في المنطقة. لا أتجاهل النضج الواقعي على الجهتين، ومعهما الدروز، خصوصا في الزمن الحالي لكن على “التنِّين” المسلم بفئتيه في السياسة اللبنانية أن يحْذَر من نفسه دائما، أي أن نحذر نحن المسلمين “سياديا” من أنفسنا!

في جرود عرسال الأسبوع المنصرم، لاشك أن “حزب الله” أحرج خطاب أخصامه. هناك نتائج حياتية إيجابية حققتها “الدويلة” لصالح الدولة في الأمن الداخلي، هذا مؤكّد. بما يجعل المراقب يقول مع مفعول رجعي أن “حزب الله” لو ربط منذ البداية تدخله بالشأن السوري بالمرابطة على الحدود اللبنانية من جوار القصير إلى جوار جديدة يابوس دون ان يحمل أعباء تاريخية على الشيعة اللبنانيين كان يجب أن لا تجعلهم طرفا في الحرب الأهلية السورية… لو فعل ذلك لكان أكثر حكمةً. وهو طبعا ما كان يُفترض بالبيئة السنية اللبنانية أن تفعله بدل انخراطها المبكر في الانفجار السوري ، وكلاهما، الحزب والحريرية السياسية يتساويان في القفز عن الحدود اللبنانية إلى الأرض والمجتمع السوريّين، كلٌّ على طريقته وعلى ما تستطيع بُنيتُه التنظيمية إنما الإثنان بعلاقة وثيقة مع بعض قوى المحيط المتصارعة.

على أي حال تبدو الآن التسوية الواقعية اللبنانية التي أطلقتها فكرة ترئيس ميشال عون إيجابية من حيث تأجيلها للفالجَين الشيعي والسني التاريخيَّيْن في جهوزية هذين الفالجَين اللبنانيّيْن للالتحاق بأي تيار كبير يطلق نفيره من دمشق إلى القاهرة إلى الجزائر ناهيك عن فلسطين. معادلة “فالج لا تعالج” لها علاج تسووي ولو مؤقّت هذه الأيام اللبنانية.

الوطنية اللبنانية تنضج مع نضج التجارب ولاسيما بعد يأس المسيحيين من فكرة صناعة “الأمة اللبنانية” المستحيلة مقابل إمكان المزيد من وجود لبنان متميِّز وطليعي فعلا في المتطقة. وطنية ما بعد حداثيّة لا هوية واحدة لها ولكن لها نمط حياة تعددي واحد.

.. ماذا عن “الوظيفة” الإقليمية والدولية للبنان، الوظيفة التي تصنع سلامه في سنوات ما بعد الانفجار السوري و”الربيعْ عربي” عبر إعادة تكريسه كمركز خدمات سلمية لحروب المنطقة المندلعة وخصوصا في سوريا: نازحون،مهمة لبنان الحد من انتقالهم المحرِج إلى أوروبا، مستشفيات، سلاح، ترفيه وعقارات لبعض الطبقات العربية الحاكمة الجديدة، مخدرات، جامعات، ثقافة وكتب، سوق فنون ذات مستوى عالمي، تجارة آثار إقليمية، مركز نشاط سياسي مخابراتي. هذا نوع من الوظيفة اللبنانية لا يسمح بوطنية لبنانية مكتملة لا عند المسلمين ولا عند المسيحيين!

 ولربما لاحقا وتدريجيا سيكون لبنان صاحب وظيفة لا يخجل منها بل يعتز بها ويعمل لها هي مركز ترانزيت شركات أجنبية في مسار تحضير إعادة إعمار سوريا. عندها لنتخيّل مدى ازدهار قرى حدودية مثل القاع وعرسال وراس بعلبك والهرمل وليس فقط مدينتي طرابلس وبيروت!

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*