جميل ملاعب عصفوره التشكيلي حرٌّ في التنقل اللذيذ بين التشخيص والتجريد

 

النهار
14092017

معرض جديد لجميل ملاعب لدى “غاليري جانين ربيز”. لا يكون علينا الإنتظار طويلاً، عادة، كي نرى جديد الفنان، فهو لا يتعب ولا يستكين. ربما نحسده، أحياناً، على
هذه الهمّة التي يجيّرها في إنتاج أعمال جديدة، بعدما تحددت أساليبه الشخصية، ولا نقول أسلوباً واحداً، إذ يسير ضمن خطّين متوازيين يجمع بينهما خيط رفيع ترصده العين العارفة، وتفرّق بينهما طبيعة الإنتماء إلى المنحى التشخيصي هنا، أو إلى الإتجاه اللاشكلي هناك.

في معارض ملاعب الأخيرة، أو في آخر معرضين له على الأقل، برزت هذه النزعة التي تجمع في مكان واحد أعمالاً لا تنتمي إلى التيارات الفنيّة ذاتها. قد يبدو هذا الأمر مستهجناً للبعض، وخصوصاً لمن لا يعرف الفنان جيداً، ولا يدرك، في شكل عام، أن التزام خط واحد مستقيم، لا حياد عنه، ، في مجال التشكيل، لا يُنبئ دائماً بحرفية موصوفة نصّت عليها قوانين معينّة، قد تكون سارية المفعول ومتّبعة في مجالات أخرى. فكما تتنازع النفس البشرية أهواءٌ شتى، كذلك يكون الإنعكاس التعبيري ذا طرق متعددة. لذا، ليس من المستغرب أن نرى في المعرض الحالي للفنان تلك المجموعة من الأعمال الصغيرة الحجم، المعلّقة ضمن بوتقة واحدة، العاكسة للبيئة التراثية التي عايش الفنان بعضاً من مفاصلها، وعرف البعض الآخر من خلال الحكايات والصور التي ترسّخت في ذهنه: ذكريات عن ماضٍ لم نعد نرى بقاياه إلاّ في زوايا بعيدة ومنسيّة من هذا الوطن الصغير.

وإذا كان من معنى لهذه الأعمال، التي يبدو أنها لن تغادر نتاج الفنان (كان أصدر كتاباً تحت عنوان “ضيعتي” ضمّنه مجموعة كبيرة من اللوحات المعبّرة عن بيئته الأصلية)، فلأن ذاكرته تأبى أن تفارق تلك النسمات التي لم نعد نشعر بألوانها، بعدما انبسطت “الحضارة” على مساحات واسعة من هذه الأرض، مشوّهةً زوايا ومعالم تحت مسمّيات عدّة لا تمحو عباراتها الزيف المرافق لهذه المشاريع التي لا تبغي، في نهاية الأمر، سوى المنفعة المادية لمن يقوم بها. وإذا كان الفنان يعمد، أيضا، إلى العناية ببعض التفاصيل المتعلّقة برسم القامة البشرية، والوجه خصوصاً، فلأنه يريد أن يكون أميناً لا للتطابق الشكلي مع سحنة معيّنة مقصودة في ذاتها، بل إنسجاماً مع قدرته على رسم ملامح وجه يحمل إنطباعاً بإستقرار نفسي صرنا نفتقده، نظراً لما صارت تمليه علينا الحياة الحديثة من قلق لا يفلت من براثنه إلاّ من “تتمسح” وصار يتعامل مع الواقع من زاوية اللامبالاة، القائمة على ضعف شعوري، إن لم يكن على إنتفائه وإندحاره، وهو ما نرى إنعكاساته، يومياً، في تصرفات البعض وسلوكهم.

القسم الثاني من الأعمال المعرضة، ذات الحجم الكبير نسبياً، يحمل طابعاً تجريدياً، وإن كانت بعض الملامح الواقعية تظهر هنا وهناك، ضمن تلك المساحات التنقيطية الفسيفسائية. ثمة عصافير تبدو كأنها تنبت من أماكن وزوايا مختلفة، مدروسة، في حقل منسجم في إتساقه اللوني. لكننا نرى أيضاً، في عمل آخر، حشداً من الصور والأشكال والرموز، ضمن نمط تصويري غرافيكي، أشبه بلوحة حجرية تعود إلى أزمنة سحيقة، تختلط فيه الرموز والأشكال المذكورة على نحو “فرعوني”، وكأنها تشتمل على سيرة حياة، أو حيوات كاملة. ويُخيَّل إلينا أن ملاعب شاء أن يسرد بعضاً من سيرته، أو من سيرة ما يحيط به، على نحو لا يغيب عنه التكرار في بعض الأشكال، وكأنّها الحياة في تتابع أيامها، الرتيبة تارة والمختلفة تارة أخرى. وفي الأحوال كلّها شاء الفنان أن يعرض، بحسب الطريقة التي ارتآها، بعضاً من تجربته الشخصية ورحلاته العديدة إلى مناطق متباعدة من العالم، قائلاً في هذا المجال، من دون أن يقصد عملاً محدداً، بل جملة ما يقوم به: “هذا العمل الذي لطالما اكتنزت خطوطه من كل ما حفظته من تجارب وقراءات ومحاضرات عن الشكل والمضمون والواقع والحقيقة والزمن والقرية وإرتباط ممارساتها بالحياة اليومية، إضافة إلى تأثير البيئة والمدينة والضيعة والمقهى والسفر والدراسات المتنوعة والتراث العلمي، ومدارس أوروبا وأميركا وموسكو والقاهرة والهند والمكسيك”.


(لوحات لجميل ملاعب).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*