«جمهورية كأن» لعلاء الأسواني: حكايات من ثورة يناير وحلم الحرية المفقود

 

حسن أوريد
Mar 13, 2018
hgr]s hguvfd

«كانت ثورتنا العظيمة طفرة، وردة جميلة وحيدة وغريبة ظهرت في مستنقع. كانت ثورتنا تَغَيرا مفاجئا في مسار الجينات المصرية، ثم سرعان ما عاد كل شيء إلى طبيعته، وصرنا نحن خارجين عن السياق، منبوذين لا يريدنا أحد، ولا يتعاطف معنا أحد، ويعتبرنا الجميع سبب كل المصائب. هنيئا للمصريين بإجهاض الثورة، وهنيئا لهم في اكتشاف أننا عملاء وخونة. لن يعرفوا أبدا أن الثورة كانت فرصتهم الوحيدة للعدل والحرية، ولكنهم أهدروها بأيديهم عندما خذلونا». (جمهورية كأن).
في روايته «خفة الكائن التي لا تحتمل» يذكر ميلان كوندرا أن التاريخ يكرر الظواهر المشينة ذاتها، والشخصيات المقيتة ذاتها، إن لم يتلقفها الإبداع ويحيلها شخوصا روائية. آنذاك، تكف عن أن تتكرر، أو إن تكررت، تكررت في شكل لا يجثم على النفوس ولا يخنق الأنفاس، فتغذو صورا كاريكاتيرية. والإبداع إذن ليس تسلية، بل هو تطهير نفساني للمجتمعات. وقد يصبح الأدب استمرارية للنضال بأساليب أخرى. ويبدو أن علاء الأسواني اختار هذا المسلك في راويته الأخيرة «جمهورية كأن..» ليتحدث عن ثورة ميدان التحرير. أراد من خلال عمله أن يوقف لعنة أحلام تتفتق كالزهور ثم ما تلبث أن تذبل وتذوي، وإذا الأحلام كوابيس. فمصر ليست بلدا فقط، هي فكرة، وهي الفكرة التي جعلت من أراد أن يطبع العالم يُعرّج عليها، ويلتمس تبريكها، من الإسكندر المقدوني إلى عمرو بن العاص، ونابليون فكسينجر. هي بالنسبة للعالم العربي شعلة الأمل، وجرح الانكسار. ولأنها فكرة وليست بلدا وحسب، فمن حق أي كان أن يعبر عن رأيه بشأنها. لا يمكن للانتقاد أن يكون حشرا في قضايا داخلية، أو إساءة، بل تعبيرا عن حب.

جناحا السلطة

في «جمهورية كأن…» يظهر علاء الأسواني بمظهر آخر وهوية جديدة، تتحدد من خلال قطيعة. الرواية مهمة لأنها من الأعمال التي تؤرخ للقلب النابض للثورة، ميدان التحرير، وتداعياته، وهي مهمة لأنها تؤشر إلى نهاية مسار للكاتب، وربما بداية آخر. في الرواية يُظهر علاء الأسواني أوجه الدولة العميقة، من مؤسسة أمنية تتحرك في يسر ودهاء، بين مؤثرَين عميقين، الدين والإعلام، تمثلها شخصية اللواء علواني، الذي ينتقل في يوم واحد، من قُنوت العبادة والتهجد والتخشع، أثناء صلاة الفجر، إلى مشاهدة مقاطع من أفلام إباحية إثرها، عبارة عن بهارات كي يستطيع أن يضاجع جسدا مترهلا، هو جسد زوجته. في اليوم ذاته يشرف على حصة تعذيب، ويتفتق ذهنه على الوسيلة التي تجعل المتهم يتكلم، التهديد باغتصاب زوجته من قِبل العناصر الأمنية أمامه، ويتكلم المتهم، ولا يسع الضباط في حصة التعذيب إلا أن يعبروا عن إعجابهم باللواء علواني: «كل يوم نتعلم من حضرتك».

الحلم

يجثم الخوف كالرصاص على الشعب، وفجأة تنتفض مصر، ويحمل وهج الأمل شباب لا يستكينون للوضع. أسماء المُدرِّسة، مازن المهندس والنقابي خالد الطالب في كلية الطب، لينضاف إليهم شخص أعفاه وضعه المادي من الانغمار في شؤون «الغلابة»، هو القبطي أشرف ويصا. أسئلته الوجودية، وإخفاقاته المتتالية تحرك مكامن نفسه. يقترن بخادمته إكرام، يحبها وتحبه. من خلالها يستعيد معنى الحياة. بساطتها وسذاجتها تخفيان عمقا وأخلاقا رفيعين. مع الثورة تستعيد الكلمات معناها، مثلما قال الأبنودي. يستعيد الحب رونقه بل معناه، ويتحدى الكذب والنفاق والمواضعات. لا يتستر أشرف ويصا على حبه لإكرام. ينتفض ضد ابنه بطرس وبنته سارة اللذين رأيا فيها المساوئ كلها، خادمة ومسلمة ومتزوجة. يحكم عليها أشرف بسُلم قيم آخر، امرأة تحبه ويحبها، والتقيا في الانتفاض، كليهما ضد المواضعات والنفاق، وانصهرا في قيم الثورة. كذلك تفعل أسماء مع حبيبها مازن. وحتى قلب دانية بنت اللواء علواني، يخفق للفتى خالد ابن «السواق» متحدية الفوارق الطبقية. ينحنى الجهاز للعاصفة، ثم تبدأ الثورة المضادة. من مختلف المؤسسات الأمنية، ورجال الأعمال، والإعلام، ورجال الدين. مَن كانوا أبطالا يريدون أن يمسكوا بعنان التاريخ صاروا خونة أو صُوروا كذلك.

المبتسرون

يؤرخ الأسواني للحظات مؤلمة غداة رفع الاعتصام من ميدان التحرير، وقد تحركت الثورة المضادة. يُقدّم شهادات يمتزج فيها خطاب الراصد للأحداث، مع الروائي، فالشخوص ليست خيالا، بل تحيل على ظواهر. يعطي الروائي الكلمة لفتيات تعرضن للمهانة من خلال فحص عذريتهن من أجل تصويرهن ساقطات باغيات. شهادات تكاد تكون حية، أشبه ما تكون بعمل توثيقي. يفتح الأسواني حادثة مجزرة ماسبيرو وملابسات الانفلات الأمني، في لحظة أريد لها أن تجسد التلاحم الإسلامي القبطي، كما في ثورة 1919، وكما في ميدان التحرير. تنتصر الثورة المضادة، ومن كانوا أبطالا صاروا خونة، أو تم تصويرهم كذلك من قِبل إعلام تحت الرقابة وتحت الطلب. أضحى الأبطال متآمرين يخدمون أجندة خارجية، أما القتلة فقد بُرّئوا. أسماء التي وقفت ضد أن يصبح التعليم سلعة، ورفضت الدروس الخصوصية، التي هي عمليات استنزافية لجيوب الشعب، وانتفضت ضد الأخلاق الزائفة، من لباس «محتشم» وعانقت الثورة، تنكسر في نهاية المطاف، وتعلن حكمها الصادم الذي يعبر عن إحباط. تُشرّح الرواية الأسباب الموضوعية التي تدفع للعنف، أي خيار كان للسائق مدني الذي قُتل ابنه بدم بارد، من قِبل ضابط، وبرّأته المحكمة، سوى أن ينتقم لنفسه. لكنها لا تفضي لليأس. يصمد من يمسكون بالجمرة رغم الإعصار، مثل الفتى مازن. صمت دانية بنت اللواء، من تحمل تراجيديا قتل حبيبها أمام عينيها، لا يحمل الانكسار ويخفي العزيمة. ولعل الطفلة شهد، بنت إكرام الخادمة المسلمة، التي تعيش في كنف حبيب أمها القبطي أشرف، أن تكون حاملة الأمل أو العبور من عالم «كأن..» إلى عالم الحقيقة والمعنى.

٭ كاتب مغربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*