جدل تربوي فوق الامتحانات

 

يناقش تربويون أوضاع القطاع ومشكلاته من زوايا ضيقة. تُقدم اقتراحات للمعالجة وتطوير الأداء والتعليم، بينما المطلوب إصلاح التعليم. لا يتحمل التربويون مسؤولية في هذا المجال، فهم يتناولون قطاعات تعليمية ضمن دائرة اهتماماتهم. لذا من المبكر الحديث عن حالة طوارئ تربوية وصولاً إلى إعادة هيكلة وزارة التربية، علماً أن مشروعاً مطروحا منذ أيام وزير التربية الأسبق حسن منيمنة لإعادة هيكلة متكاملة للوزارة ومديرياتها. ولأن التربية مكبة على التحضير لإجراء الامتحانات الرسمية، فإن أي طرح خلافي يغير في تركيبة الوزارة وبنيتها راهناً، لا يساعد في عبور آمن للامتحانات، إلا إذا كان المقصود إشعال الجدل كخطوة اضطرارية للشروع في الإصلاح.

ولعل ما طرح في المؤتمر التربوي الأخير للحزب التقدمي الاشتراكي على لسان مستشار وزير التربية أنور ضو، يفتح نقاشاً حول الأولويات. فدعوته إلى إعادة الروح الجامعة والمنفتحة الى المركز التربوي للبحوث والإنماء مسألة مهمة، لكنها تحتاج الى الاستقرار كمنطلق للبحث، خصوصاً حول الاستقلال الإداري والمالي للمركز. أما تحويله الى مديرية، وهو كلام ملتبس، فمسألة أكثر تعقيداً من الإصلاح نفسه. ولأن المركز التربوي أدى أدواراً تربوية استثنائية في تاريخه، فإن البحث في مستقبله لا يقتصر على إدارته، إنما في الأسباب التي جعلته غير قادر على تأدية دوره كاملاً. وللمفارقة أن أوصياء سابقون على التربية جعلوا مديريات التربية والمؤسسات التعليمية جزراً لا تحكمها قواعد وتقاليد، قبل أن يتغير عهد التربية ويعيد الوزير الحالي الأمور الى نصابها.

إذا كان الهدف البحث في المشكلات التربوية وقضايا التعليم والامتحانات، فإن ذلك يعني طرح مسألة التربية كلها على بساط البحث. فإصلاح التعليم ليس وظيفة ولا اقتراحاً ينتهي بقرار، هو يشكل مساراً مستقلاً ومفتوحاً على التفكير الدائم في مسارات التطوير، وهو بهذا المعنى يشترط التقويم المستمر وفق معايير وأهداف تحتاج الى تراكم معطيات وتحقيق انجازات. ولذا لا يمكننا أن نرفع شعارات للتطوير وحل مشكلات التعليم في شكل متسرع، خصوصاً وأن ممارسات التعليم في لبنان مترسخة وتاريخية ومرتبطة بمسارات تعليم أوروبية، وهي تحتاج الى نقاشات معمقة من معنيين في الشأن التربوي وأصحاب القرار، فيكون الاصلاح عملية مستمرة، تستدعي تضافر جهود الجميع لوضع الخطط وإعداد الدراسات والتقويم، كي يكتمل عقد التطوير.

لا شك في أن تطوير المؤسسات التربوية ذاتها يبقى ضرورة، وتحديداً تلك التي تتبع الوزارة والتي تتولى مهمات البحث والتقويم، خصوصاً المركز التربوي الذي يعنى بالبحث والكتاب المدرسي والمشاريع التربوية، والمناهج، ومنه يفترض أن تخرج مشاريع التطوير التربوي. لكن اطلاق البحث في موضوع الامتحانات ومدى ملاءمتها لمستوى المنهج ووضع التلامذة وأهداف التعليم يبقى أولوية إلى أن يحين وقت التغيير!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*