جان بول سارتر قبل عصام خليفة بفارق…

مارون خوري
النهار
10082018

أصابنا الذهول، نحن جيل عصام كمال خليفة، لمّا قرأنا في جريدة “النهار” (27/7/2018) خبر استدعائه الى قصر العدل في بيروت لاستجوابه أمام المباحث الجنائية المركزية كمدعى عليه بجرم القدح والذم. ثم أصابتنا البهجة لمّا قرأنا في العدد نفسه دفاع الاستاذ عقل العويط عن التاريخ النضالي لهذا المؤرخ العالم في سبيل إعلاء شأن الجامعة اللبنانية التي فضلها على نفسه وأرادها مرآة له في المعرفة والعلم والاستقلالية والنبل والكرامة، وسواها من الصفات الحميدة والسمات العلمية.

وازداد سرورنا لمّا خرج الدكتور خليفة من التحقيق ليعلن: “انا لا أخاف، بل أخيف”، انتبهوا يا سادة، هذه ليست “بهورة” سياسية، انما موقف صلب يرتكز على خزّان من المعلومات الموثّقة بالمستندات.

رجل التاريخ والباحث في الأرشيف يحتفظ بكل “قصقوصة” ورقة ليدعّم بها رأيه بهدف الوصول الى الحقيقة. في حين أن القضاء يرتكز على التحقيق، فإن المؤرّخ يغوص في التحقيق والتدقيق والتمحيص والمقاربة والموازنة والمفاضلة ليستلّ الخبر اليقين! اللافت ايضاً في تصريح عصام خليفة قوله بفخر واعتزاز: “انا فلاّح جايي اليوم من ضيعتي على بيروت…”، ما يزيد الموقف صدقاً وصلابةً وعناداً في الحقّ، ذلك انه كما أن الأرض لا تعرف المسايرة والمساومة والتسوية، كذلك صاحبها الذي يستسهل الموت من اجل قضية ويعزّ عليه أن يجرح من اجل تسوية، على حدّ تعبير المفكر ميشال شيحا.

للتذكير والاعتبار نورد هذه الحادثة التاريخية:

اثناء انتفاضة 8 ايار 1968 في باريس، ألقت الشرطة الفرنسية القبض على الفيلسوف اليساري جان بول سارتر وهو يوزّع المناشير في الشارع، داعياً الى الثورة على النظام وساقته الى مركزها للتحقيق معه.

ضجّت وسائل الاعلام الفرنسية بخبر توقيف الفيلسوف الفرنسي الكبير، وتناهى هذا النبأ الى مسامع رئيس الجمهورية الجنرال شارل ديغول الذي اتصل شخصياً بالشرطة وأمر باطلاق سراح سارتر فوراً من دون أي محضر تحقيق كي لا يسجل التاريخ أن عهد ديغول يحاكم الكتّاب والأدباء والفلاسفة وقادة الرأي الحرّ.

دكتور عصام،

ليس العيب في استدعائك الى التحقيق، بل كل العيب وكل الخزي في الاّ يصل التحقيق الى كشف الحقيقة الكاملة التي تصبو اليها أنت، ونحن معك.

محام

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*