ثورة 1968: اغتراب الطلاب في فرنسا وتدجينهم في لبنان

محمود الزيباوي|السبت19/05/2018
Almodon.com

 

هل تحترق باريس؟

خمسون عامًا مرت على أحداث أيار/مايو 1968 في فرنسا. دخلت التاريخ، لكنها بقيت خارج التصنيف. فالبعض يرى اليوم أنها كانت مجرد تمرد طالبي عابر، غلبت عليه روح المراهقة والعفوية. والبعض الآخر يرى فيها ثورة غيّرت وجه فرنسا بشكل جذري. رافق”ملحق النهار” هذه الأحداث عن كثب عند وقوعها، ونشر سلسلة من المقالات تعكس تعدّدية وجوه هذه الثورة والتباس صورتها.


فوضى أم إصلاح


انطلقت شرارة انتفاضة 1968 عندما اعتقلت السلطة الفرنسية طالباً ألمانياً من أمّ فرنسية يُدعى دانيال كوهن بنديت، وطردته من البلاد بسبب تأسيسه حركة طلابية في جامعة نانتير أٌطلق عليها اسم “حركة 22 مارس”، وذلك بعدما أقدمت السلطات على اعتقال مجموعة طالبية تظاهرت ضد حرب فيتنام. طالب كوهن بنديت،ورفاقه بإطلاق سراح زملائهم المعتقلين، وعندما رفضت السلطة الاستجابة لطلبهم، احتلّوا مبنى جامعة نانتير، فأغلقت ادارة الجامعة أبوابها. نقل الطلاب المحتجون تحرّكهم الى مبنى جامعة السوربون، واصطدموا بقوات الشرطة التي واجهتهم وألقت القبض على قادتهم، وأخضعتهم للتحقيق أمام مجلس التأديب في الجامعة.

داني الأحمر

أصدر المجلس قراره بطرد هؤلاء القادة، فتواصلت المظاهرات بقوة مطالبة بالإفراج عن الطلاب المعتقلين وإعادة الطلاب المفصولين، فتصدّت لها قوات الأمن وواجهتها بضراوة شديدة أثارت عدداً كبيراً من المفكرين، فانبروا للدفاع عن الطلاب المحتجين، وأيّدوا مطالبهم، ودعوا إلى تعزيز الحريات. أخذ هذا التمرّد الطلابي بعداً جديداً مع دخول العمال في هذه المواجهة، وخروج مئات الآلاف منهم في مظاهرات ضخمة، مطالبين بتحسين أوضاعهم الاقتصادية، وذلك رغم قيام السلطة بالإفراج عن الطلاب المعتقلين. في 14 أيار/مايو، أعلن الإضراب العام في فرنسا، وشارك فيه نحو عشرة ملايين مواطن، وأدى ذلك إلى توقيع “معاهدة غرونيل” بعد أسبوعين. وافقت الحكومة على زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 37 في المئة، كما وافقت على تمثيل العمال في نقابات المصانع، لكن العاصفة لم تهدأ بشكل تام. وأمام هذا الواقع، قام الجنرال ديغول بإقالة الحكومة في نهاية ذلك الشهر، ودعا الى انتخابات مبكرة في 21 حزيران/يونيو.

حقّق الديغوليون فوزاً كبيراً في هذه الانتخابات، لكن تمرد 1968 لم يُهزم. فالكثير من المطالب التي نادى بها تحقّقت على الأرض، والحركة التي أشعلها مهّدت بشكل أو بآخر إلى تدعيم اليسار الذي وصل إلى الرئاسة العام 1981 مع انتخاب فرنسوا ميتران، واستمرّ في الحكم حتى 1995.

من المفارقات، أن أنسي الحاج كان في زيارته الخامسة إلى باريس عند اشتعال تمرد 1968، وكتب من هناك مقالة حماسية نُشرت في 12 أيار/مايو وحملت عنوان “الطلاب يقودون الثورة”. كما هو معروف، هاجم الحزب الشيوعي الفرنسي، الطلاب، في بداية تحرّكهم ووصفهم بالـ”المسعورين” و”الهمجيين” و”الرعاع”. وردّ أنسي الحاج على هذا الوصف، فتساءل: “باريس تحت التظاهرات. من؟ الذين يسمونهم المسعورين. طلاب السوربون. اليساريون المتطرفون، والفوضويون، والشيوعيون الصينيون، والتروتسكيون والغيفاريون، يقف ضدّهم الغربيون اليمينيون المتطرفون والشيوعيون الرسميون وقسم كبير من المعتدلين. ماذا يريد المسعورون؟ الاحتجاج على اغلاق جامعة نانتير والسعي إلى هدم نظام التعليم الجامعي ببرامجه التدريسية ومواده ومراتبه وعلائقه الداخلية وامتحاناته وشهاداته التخريجية”.

توقّف الشاعر اللبناني أمام هذه الحركة الطلابية التلقائية التي ضمت فرنسيين وأجانب ولبنانيين، وأشار إلى “الماركسية المفاجئة” التي ولدت في “مركز تثقيفي برجوازي” من وزن السوربون، وتمثلت بأطروحات فكرية زرعها فيلسوف ألماني مقيم في أميركا يُدعى هربرت ماركوز.

بالفعل، يُجمع البحاثة على القول بأن هذا المفكر تحدّث في كتابه “الإنسان ذو البعد الأوحد” عن اغتراب الإنسان الحديث تحت حكم النظم الرأسمالية والشيوعية، وتنبّأ بظهور فئات متمرّدة جديدة تواجه هذا الاغتراب، على رأسها الطلاب. وقد تركت هذه القراءة الفكرية أثراً كبيراً في الحركة الطالبية في الولايات المتحدة، امتد إلى أوروبا، كما تشهد نقاشات الطلاب المتمردين في باريس.

انحاز أنسي الحاج إلى هؤلاء الطلاب الذين وصفهم وزير التربية الفرنسي بـ”حفنة من المحرضين ومثيري القلاقل”، ورأى أن “حركتهم جدّية إلى حد بالغ الخطورة، ولولا انهم وجدوا تلبية لنداءاتهم عند سائر الطلاب لما امتلأت شوارع باريس يوم الاثنين وبصورة عفوية بالآلاف الكثيرة المتكاثرة منهم، ولما انضمّ إليهم كثيرون من الأساتذة في الاضراب، ولما حاربتهم الآلاف الكثيرة المتكاثرة من رجال الشرطة”. واصل الشاعر دفاعه عن هؤلاء الطلاب، وقال إنهم ليسوا “شيوعيين بشيوعيين” كما يُقال، “لأن الحزب الشيوعي يناصبهم العداء ويعتبر أنهم بتطرّفهم يسيئون إلى الثورة”. وهم في واقع الأمر “رافضون بكل بساطة لوضع الجامعة ولوضع المجتمع ووضع النظام الذي يعشون فيه”، “ومطالبهم الرافضة محقّة، فهم يريدون جامعة تقدمية وحديثة غير متحجرة في مجتمع تقدّمي وحديث غير استغلالي وفي نظام لا يدّعي الديموقراطية ويمارس ظلّها ولا يدّعي الحرية ويضطهدها”.

في الختام، عاد أنسي الحاج إلى الشرارة الأولى المتمثلة في الصرخة ضد حرب فيتنام، وقال إن هذه الحركة هي مزيج من الماركسية ومن الشعر السوريالي والحركة الدادائية التي لم “تعد مجرد أفكار”. وفي هذا القول إشارة واضحة إلى شعارات رفعها الطلاب، وغلب عليها الطابع الشِّعري السوريالي، أشهرها: “أركض يا رفيق فالعالم القديم خلفك”، “كن واقعياً واطلب المستحيل”، “إن لم تعطني حريتي فسأتولّى الأمر بنفسي”، “عش بلا وقت ميت”، “متعة بلا عقبات”، “يجب منع الممنوع”، و”الشاطئ تحت حجارة الرصيف”. اعتبر الشاعر ان “العمال والفلاحين ثوريون تقاعدوا”، وأن الثورة باتت في قيادة “الطبقة الطلابية”، وأضاف: “وفي بيروت أيضاً جامعيون يؤمنون مثل هذا الإيمان. يؤمنون انهم البديل الصالح الوحيد، فقد يئسوا من الجميع وصاروا سلفاً لا يصدّقون. ومشكلة باريس وسواها ان الذين في الحكم والإدارة والمسؤولية لا يفهمون هؤلاء الطلاب ولا يحاولون ان يقيموا معهم حوار الإقناع والاقتناع. ومشكلة بيروت انها تعتبر هؤلاء الأولاد باتوا يهددون بحكم العالم”.

في الأسبوع التالي، نشر “ملحق النهار” مقالة من توقيع عبد الكريم أبو النصر، تناولت نتاج الفيلسوف هربرت ماركوز الفكري، الذي حرّض طلاب العالم على الثورة. في السبعين من عمره، ألهم هذا الفيلسوف الطلاب، وهؤلاء الطلاب يمنحون العالم الأمل، لأنهم بلا أمل. استعرض الكاتب أحوال الطلاب في أميركا التي تمثل “العالم الأول”، ثم استعرض أحوالهم في أوروبا التي تمثل “العالم الثاني”، ثم توقف أمام حالهم في “العالم الثالث”، وتحدث عن ثورتهم في الجزائر في كانون الثاني/يناير 1966، وثورتهم في تونس في كانون الأول/ديسمبر 1966، وانتقل إلى مصر، وقال إن الطلاب بقوا فيها غرباء عن السياسة منذ اقصاء محمد نجيب عن السلطة في 1954 حتى شتاء 1968. خرج الكثير الطلاب المصريين من غربتهم إثر هزيمة حزيران/يونيو، وعطلوا الدروس، وطالبوا برفع الوصاية عن زملائهم الذين يشاركون في العمل السياسي، ودعوا إلى تشكيل الاتحاد العام للطلاب. في المقابل، رأى عبد الكريم أبو النصر ان الحركة الطلابية في لبنان ظلّت مقيّدة بالأحزاب القائمة، و”لم تستطع ان تتصوّر لبنان على غير الصورة التي تعكسها الأحزاب السياسية التقليدية، ولم تستطع ان تخرج نفسها او تتحرّر من إطار الصورة القديمة”.

في 26 أيار/مايو، احتلت صورة الجنرال ديغول غلاف الملحق، وكان عنوانها: “باريس هل تحترق؟”. قدم سمير عطا الله قراءة للأحداث، تناقض بشكل جذري، قراءة انسي الحاج. تحدث الكاتب عن “الجمهورية الفرنسية الخامسة”، وقال: “الجمهورية السادسة في الضفة اليسرى”، والمقصود ضفة نهر السين اليسرى التي شهدت انفجار التمرّد الطالبي، وأضاف: “ربما تكون على الطريق الآن، ربما تكون منتظرة في آخر الشارع، لكنها إذا حدثت، فإن فرنسا ستتوقّع العديد من الجهوريات، فرنسا سئمت الاستقرار، تماماً كما يسأم رجالها النساء، وتسأم أحزابها الحكم الجيد والنظيف”.

على العكس، تبنّى أنسي الحاج من جديد “الطبقة الطلابية”، ورافق تطوّر حركتها، وقال: “فرنسوا ميتران يتكلّم باسم المعارضة او باسم اليسار الفرنسي، والحزب الشيوعي عاد فركب الموجة بعدما كان قد ندّد بها”. أما الطلاب، فهم “لا يريدون اليمين كما لا يريدون اليسار”، وصرختهم هي “صرخة المجتمع الجديد الذي يحلم به كل البشر في كل مكان”. عبّر الشاعر عن خشيته من “خطر تحريف الآمال”، ورأى ان “اليسار واليمين يسعيان لامتصاص طاقة الثورة الشابة لمصلحتهما مع التظاهر بأنهما في طليعة هذه الثورة”، وهذه الثورة هي في العمق “ثورة حقيقية على العالم”، وأصحابها “رافضون لديغول رفضهم للحزب الشيوعي الفرنسي”.

كعادته، ختم الشاعر مقالته بالتفاتة لبنانية، وقال: “في لبنان أيضاً طلاب كانوا قد أعلنوا نوعاً من العصيان. ماذا صار؟ قالت لهم السلطة كلاماً فصدّقوها. للأسف؟ لا. كان يجب أن يصدّقوها حتّى يتضخّم حجم خيبتهم في ما بعد. إن هذه هي طبيعة التاريخ. ولا بد أن نرزق جيلاً إذا قالوا له، فلن يصدّق. وسنحلم، باستمرار أنه سيأتي. وأنه سيكون مخيفاً. وأنه سيأتي لا ليصلح جامعة بل ليغيّر الجامعة، ولا ليغيّر الجامعة بل ليغيّر لبنان”.

كما أشرنا، دعا الجنرال ديغول الى انتخابات مبكرة في 21 حزيران/يونيو، وحقّق أنصاره انتصاراً كبيراً في هذه الانتخابات. مع نهاية أحداث أيار/مايو، نشر الملحق مقالة ثانية لسمير عطالله تسخر من دانيال كوهن بنديت وتصفه بـ”الدب الصغير اليهودي الأحمر الشعر والعقيدة”، وهو في الصحافة الفرنسية “داني الأحمر”، إشارة إلى لون شعره وآرائه السياسية الراديكالية. قال الكاتب إن كوهن بندت “استطاع أن يرغم الحكومة الفرنسية على تجاهل تحديه لقرار منع دخوله “لا لأنه شيوعي أو يساري أو أحمر الشعر، بل لأنه يهودي فقط”، و”هو نوع من الظواهر المحكومة سلفاً بالانطفاء”. في الواقع، ظل دانيال كوهن بنديت حاضراً في الساحة السياسية والاجتماعية والفكرية، وصار عضواً في البرلمان الأوروبي من العام 1994 حتى العام 2014، وهو يؤكد ان يهوديته وافدة من تاريخ أبويه فحسب، وأنه لا يصلي ولا يرتاد الكنيس، وإن زوجته وابنه غير يهوديين. ومواقفه السياسية واضحة، فهو يطالب بتفكيك المستوطنات في الضفة الغربية، ويؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة بشكل فوري، ويدعو الدول الأوروبية الى الاعتراف تلقائيا بهذه الدولة.

رابط احداث أيار 68.

إقرأ المزيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*