ثلاث خطوات لبداية الإصلاح والإقناع

الحديث عن الاصلاح ومحاربة الفساد أصبح الحديث الشائع والطاغي ان لدى السياسيين الحاليين أو لدى الطامعين بالنيابة، وحتى تاريخه لم يحدد رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء حالة أو أكثر من حالات الفساد، وتالياً تبقى تقديرات الهدر هي هي، من الصعب تحديدها، واتهامات الفساد من شبه المستحيل توفير الوثائق المتعلقة بها، ولذا فإن الحديث عن محاربة الفساد يحتاج الى توضيح. الوسائل التي ستعتمد والعقوبات التي ستفرض، ومن سيتحقق من وقائع الفساد ومن سيحمي المكلفين كشف الفساد والفاسدين؟

اننا نظن ان الكلام الدائر والمتعاظم حول محاربة الفساد أمر لن يتحقق. فالنيات لمحاربة الفساد غير صافية، والوسائل غير متوافرة، وبعد سنة من الانتخابات، وحينما تظهر نتيجة العمل العام وتكون غير صحية، اقتصاديًا واجتماعيًا، قد تتوقف المبالغ التي أعلن عنها، والمبالغ المقسطة تساوي 8.5 مليارات دولار، مقابل 3 مليارات يفترض توافرها عن سبيل وديعتين بقيمة مليار دولار من الصندوق السعودي للإنماء و800 مليون أورو (ما يعادل 984 مليون دولار) من صندوق التنمية الاوروبي. ويضاف الى هذه المبالغ القسط الاول من الاموال المخصصة للمعونة على 5-6 سنوات، ونفترض ان توازي المبالغ 20 في المئة من الـ8.5 مليارات دولار أي نحو 7.7 مليارات دولار، وهذا المبلغ، اضافة الى المليارين المتوافرين تقريبًا، يؤمن اطمئنانًا حول تذبذب الاسعار وتوافر الدولار. ولا شك في ان تمويل الحملات الانتخابية، والاحتفالات المرافقة لها، أسهم في توافر نحو مليار دولار. اذاً لا خوف على اختناق الاقتصاد هذه السنة، ويبقى الهم الاساسي ماذا سنفعل لنرفع معدل النمو الى 5 في المئة على الاقل وتفعيل الاستثمار الانتخابي اقتصاديًا واجتماعيًا.

لدينا ثلاثة اقتراحات نحن على اقتناع تام بجدواها سواء من متابعة مجريات التطورات العالمية التي لا تلقى أكثر من صدى لا يتبعه أي فعل في لبنان، أو في أحسن الاحوال، بدايات خجولة في مجالات مفيدة وتلقى حماسة لدى المساهمين في التزام مساندة حاجات لبنان.

الاقتصادي الاميركي المعروف والحائز جائزة نوبل بول كروغمان كان من اوائل الاقتصاديين الذين اعتبروا التأثير النفسي للسياسات الاقتصادية ذا اهمية، كما هو من قلة الاقتصاديين العالميين الذين يتنبهون لقضايا ذات أهمية عالمية وتحمل في طياتها مخاطر كبيرة.

من هذه القضايا بالتأكيد موضوع التغير المناخي والاحتباس الحراري وما يتبع ذلك من فيضانات وتصحر واضرار تلحق بالصحة، وهو في مقاله الاخير عن مستقبل الاقتصاد العالمي رأى ان الاعتماد على الطاقة المنتجة من المراوح الهوائية الضخمة ومزارع الالواح الزجاجية التي تحفظ الطاقة، هو الامل الاساسي في تحقيق تحسن كبير في سبل المعيشة والصحة لمختلف المناطق في العالم. وهو يشير بالطبع الى ان الشمس قد لا تتوافر دومًا، والهواء الذي يدفع المراوح لانتاج الكهرباء، لكنه يجد ان من الممكن الاعتماد على مزارع الالواح الزجاجية التي تحفظ الطاقة في مناطق تغلب على ايامها حرارة الشمس، كما ان بطاريات حفظ الطاقة لوقت مقبول باتت متطورة الى حد بعيد، وهو يرى ان التطور التكنولوجي يسابق الحاجات ومن الضرورة الاستفادة من هذه الموجة. وبالنسبة الى المراوح يتطرق الى تطورات تتعلق بضخامة المراوح، وامكانات تثبيتها في المياه الاقليمية، ويرى ان المنهجين يسهمان في خفض ثاني اوكسيد الكربون والحدّ من استعمال المشتقات النفطية والاسهام في النمو وتحسن ظروف البيئة.

لقد بدأنا منذ فترة قريبة تشجيع انجاز مزارع المراوح الهوائية وهنالك ثلاثة مشاريع لانتاج 180 ميغاوات، لكن العمل حتى تاريخه لم يبدأ. وبالنسبة الى مزارع الألواح الزجاجية التي تختزن وتوزع الطاقة، لدينا بداية اسهمت في تنشيطها الهيئة المؤلفة لترشيد استهلاك الطاقة في لبنان وتسهيلات مصرف لبنان.

اننا ندعو الى توسيع امكانات المزارع للمراوح الهوائية وبصورة أكثر الحاحًا ندعو الى انجاز مزارع طاقة شمسية بواسطة الالواح على مساحات واسعة يمكن ان توفر 300 ميغاوات منها مساحات يملكها مصرف لبنان. فثمة مساحات شاسعة في البقاع معرضة للشمس الحارقة 300 يوم على الاقل كل سنة يمكن انشاء مزارع شمسية عليها تكفي حاجات البقاع كلاً، وإن اقتضى الامر تتكامل مع المولدات النقالة التي توفر الطاقة لزحلة و13 قرية محاذية 24/24 ومقابل اشتراك يوازي 16 سنتًا للكيلووات/ ساعة.

مصرف لبنان اعتمد سياسة دعم المشاريع التي تسهم في تحسين شروط البيئة، وتوسيع استعمال الالواح المكتنزة للطاقة، والصين هي البلد الاهم على صعيد انتاج هذه الالواح، ولديها القدرة والرغبة في توسيع استعمال منتجاتها. وفي المناسبة لبنان يقع على ما سمي طريق الحرير، الذي بدأت الصين بتنفيذه، وخبراؤها يتفحصون المجالات المناسبة. وإن باشرنا مزرعة للألواح الزجاجية تمتد على مليوني متر مربع وتؤمن 300 ميغاوات من الطاقة الانتاجية، لن يكون هنالك من تأخير لتدفق المعونات التي حققنا ارتباطاً مع اصحابها ولا سيما منهم الكويت وقطر، وبالـتأكيد نستطيع ان نحصل على معونات من الصين التي لم تشارك في مؤتمر باريس فنستطيع حينئذٍ الامل في تحقيق الاستفادة من الوعود القائمة ومن امكانات اضافية متوافرة.

المجال الثاني لتحقيق نتائج اقتصادية وانمائية مهمة هو تشريع زراعة الحشيشة، ونحن نعلم ان وزير الداخلية يعتبر ان انتاج الحشيشة وتوزيعها قد يشجعان على ادمان المخدرات المضرة مثل الكوكايين والهيرويين، ويبدو انه لا يعلم ان كولومبيا بلد انتاج الكوكايين الاكبر، اصبح لديها ثلاثة مصانع لانتاج الادوية من الحشيشة وسلطاتها تعتمد على زراعة الحشيشة وتصنيعها لمكافحة زراعة الكوكايين وتصنيعه.

يضاف الى ذلك ان الـFDA أي الوكالة الاميركية التي تسمح حصرًا باستعمال المنتجات الطبية، أجازت حديثاً استعمال الحشيشة في انتاج عدد من الادوية المهدئة والتي تسهم في تخفيف الالام وعلاج داء الصرع

ولاية كاليفورنيا التي يبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة، والتي يفوق حجم دخلها الدخل القومي في فرنسا، وانكلترا، شرعت زراعة الحشيشة وتوضيبها وتسويقها وحققت من ذلك نتيجة لا باس بها، والدول التي تسمح باستهلاك الحشيشة دون ضوابط وعقوبات يفوق عدد سكانها 240 مليونًا.

لبنان المحتاج الى زيادة دخله القومي وتنشيط الاقتصاد يفرض الرسوم المضرة والباهظة ولا يولي تشريع الحشيشة اهمية. والواقع ان فترة تحكم الضباط السوريين بزراعة الحشيشة ومن ثم توضيبها وتصديرها كانت توفر لهم ما بين 4-5 مليارات دولار سنويًا وللمزارعين 30 في المئة من الدخل القائم. من ذلك التاريخ ونتيجة انفتاح مجالات انتاج الحشيشة وتسويقها في بلدان عدة متطورة، توسعت مساحات زراعة الحشيشة وانخفض ثمنها. انما اذا شرّع لبنان هذه الزراعة وعهد في تنظيمها الى الريجي التي هي المؤسسة العامة الوحيدة التي توفر للدولة خامس اكبر مواردها، يمكن ان تدفع نمو الدخل القومي بنسبة 3-4 في المئة سنويًا الامر الذي يوفر للبنان نسبة النمو المطلوبة لاستيعاب معدل اكبر من شبابنا الباحثين عن فرص عمل ممن فقدوا الامل وهم يهاجرون في أحيان كثيرة الى غير رجعة. ليت السياسيين يدركون ان الخسارة الكبرى هي خسارة الشباب.

المبادرة الثالثة التي تسهم في ترسيخ أسس النمو تتمثل في الابتعاد عن الاستهتار بعقول اللبنانيين بتصريحات لمسؤولين عن شؤون الكهرباء. فالوزير سيزار ابي خليل يقول ان مجلس النواب صادق على خطة الطاقة، فلماذا لا ننفذ ما اتفق عليه واصبح تشريعًا عام 2011؟

يتناسى الوزير، او هو يظن ان اللبنانيين لا يدركون ان الموافقة على خطة الطاقة اشترط ان تحقق بداية اربعة شروط لم يحقق أي شرط منها أي من وزراء التيار الذين تعاقبوا على وزارة الطاقة:

– آلان طابوريان: 2008 – 2009

– جبران باسيل: 2009 – 2014

– ارثور نظريان: 2014 – 2016

– سيزار ابي خليل: 2016 – ؟

الشروط الاربعة هي:

– تأليف هيئة اشراف على شؤون الطاقة.

– تشكيل مجلس ادارة من فنيين.

– ابتداء العمل على تحضير مصلحة كهرباء لبنان للتخصيص وذلك بتعديل التعرفة وضبط النفقات وتأمين تقارير مالية مفصلة، وهذا الامر لم يتحقق مثل الشرطين الاولين.

– اعتماد القروض الخارجية التسهيلية، كما هي التزامات مؤتمر باريس الاخيرة، لتوسيع انتاج الكهرباء وتوزيعها، وضبط الهدر التقني والسرقات.

ماذا فعلتم من كل ذلك؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*