تيريز دحدح الدويهي لـ”المدن”: أكتبُ المشاوير والطبخ والصّور

ماركيز كتب عن جدّه الذي كان كولونيلاً.. لكن جدّي أنا، في عينيّ، يفوقه أهميّة
“بين الصلاة والنوم” (دار “شرق الكتاب”) هو أول كتب تيريز دحدح الدويهي. التي جمعت 12 نصّاً لها نشرت تباعًا، وفي فترات متباعدة، في جريدة “النهار” اللبنانية، إذ تفصل بين النص الأقدم والنص الأخير عشر سنوات تقريباً. عن نصوص الدويهي، كتب فارس ساسين في مقدّمة الكتاب: “يُختصر أدب الكاتبة كلّه في كلامها عن الكبّة الزغرتاويّة: تبتعد عن الإسفاف في المطيّبات من غير البصل والبهار، قليلة العناصر، أنيقة”.

عن كتابها الأول، هنا حوار “المدن” مع تيريز الدويهي.

 تقولين أنّك لم تتصوري يومًا أن تصبحي كاتبة وأن يكون لكِ كتاب موقّع باسمك، ما هو إذاً الدافع وراء أول فعل كتابة قمت به؟

* نُشر أوّل نصّ لي في جريدة “النهار” منذ عشر سنوات. إلّا أن أول نص كتبته كان إثر عودتي من زيارة عند بيت خالي أنطون، وهو البيت الذي لطالما أحببت زيارته في صغري. لكنني بعدما تزوجت وأصبحت موظفة بدوام كامل، لم أعد أستطيع زيارتهم خلال فترة ما قبل الظهر كما كنت أفعل في الماضي. ثم في أحد أيام الإضرابات التي شهدتها الجامعة اللبنانية، استغلّيت الفرصة لزيارة بيت أهلي في الصباح قبل أن أقرر أنها الفرصة المناسبة لزيارة بيت خالي أيضاً.

في نهار مشمس من فصل الشتاء. تركت سيارتي مركونة أمام بيت أهلي ومشيت باتجاه بيت خالي أنطون. كانت أبواب بيوت الحيّ مفتوحة تفوح منها رائحة الطبخ. أعادني المشوار إلى مرحلة سابقة، وأحسست أنني سعيدة جداً. وصلت إلى بيت خالي وشعرت برغبة في البكاء. أمضيت يوماً كاملاً عندهم. في اليوم التالي، أخبرت زوجي بهذه الزيارة ورحت أبكي. من بعدها كتبت نصاً عن هذا المشوار باللغة الفرنسية ثم نقلته إلى العربية.

 غالبًا ما يختار الكتّاب أن يبدأوا بالكتابة عن أنفسهم، لكنكِ تكتبين عن الناس وعن الآخرين؟ كيف تختارين القصص التي تصوّرينها في كتاباتك؟

قال لي زوجي معلّقا على كتاباتي أن الكتّاب عادة ما يميلون، ولا سيما في أول مشوارهم الأدبي، إلى الكتابة عن أنفسهم، أمّا أنا فكتبت في الغالب عن الآخرين من حولي. ربما تكون كتابتي عن الناس وعن الآخرين متعلّقة بكوني تخصصت في العلوم الإجتماعية وكانت المادّة التي تهمني الأكثر هي الأنتروبولوجيا.

في العموم، أحب أن أتوقّف عند الناس، كيف يأكلون، كيف يلبسون، كيف يعيشون، كيف يحبون أو يحاربون حتى. غير أن بلدتي زغرتا فيها شيء مميّز، بغضّ النظر عمّا إذا كان جيّداً أم لا. أمر يجعل من الكتابة عنها متعة خالصة. أحسّ أن هناك ألفة في الجوّ، تطوف كالغيم فوق زغرتا. فالذي يراقبها عن كثب، يلاحظ مثلاً أن أهلها يطبخون ويأكلون بالطريقة نفسها. لا أتكلم هنا عن الوجبات المحضّرة، بل عن موائدهم المتشابهة، عن صيامهم يومَي الأربعاء والجمعة، وعن الكبّة الزغرتاويّة التي تزيّن موائد أيام الآحاد في بيوت زغرتا.

كتبت في إحدى المرّات عن صورة بالأسود والأبيض تجمع جديّ وجدّتي. أكتب عن الأمور التي أمتلئ بها. أشعر أن صوراً معيّنة أو ذكريات أو مواضيع تملأني ثم تعلو وتعلو حتى تفوش في الأخير على السطح. أكتب عنها بصعوبة، وهو أمر متعب، وفي كلّ مرة أقول في نفسي أنني لن أنجح في كتابة هذا النص أو ذاك. لكني عندما أنتهي منه، أشعر بفرح كبير وبراحة التخلص من ثقل. ثم أعود إلى النص بعد فترة، أنقّحه، أو بالأحرى، أطرّزه.

– يتكرّر ورود “المشوار” في كتابتك حيث تصفين مشوارًا قمتِ به في أسواق طرابلس، أو في رحلة في سيارة الأجرة من زغرتا إلى إهدن، أو حتى في صورة الغلاف التي تظهرين فيها سائرة في حقل. كيف تفهمين هذه الرغبة الدائمة في الرحيل أو في التنقل؟

لم أقصد أن يكون “المشوار” واضحاً أو ثابتاً في كتاباتي. لكنني أظن أن الكتابة تظهر ما يحب الكاتب وما يميل إليه من دون أن يتعمّد هو ذلك. في حياتي اليومية والعادية، أحب المشاوير والرحلات وأحاول قدر الإمكان أن أمشي. أجمل مشوار في حياتي كان من بيت أهلي إلى بيت خالي أنطون. وبالمشوار أقصد الرحلة نفسها، التي هي أهم بالنسبة إليّ من الوجهة.

حتى أنّ فكرة جمع نصوصي في كتاب واحد وهو ما لم يخطر لي بتاتاً قبل ذلك، هو نوع من رحلة. فالنصوص التي كتبتها بشكل متقطّع وفي فترات متباعدة، تبيّن عند جمعها أن طريقاً أو خيطاً يربط واحدها بالآخر. ففي النهاية، لم يكن أي نص منقطعاً عن الآخر، لأنني أكتب عادة بالروحية نفسها وبالأسلوب ذاته.

 هل سيكون “بين الصلاة والنوم” أول كتاب لك وآخر كتاب، أم تنوين المثابرة على الكتابة؟

هناك الكثير الذي أود أن أقوله وأن أحكيه. أقرأ كتباً وروايات وأستمع لما يقوله الكتّاب وأحسّ برغبة في قول ما عندي. لاحظت مثلاً، منذ فترة، أنني أحببت رواية Le cheval d’orgueil لبيار-جاكيز هالياس، وهو من ضمن سلسلة Terre humaine المعروفة، لأنه كتب عن جدّه. ماركيز كتب أيضًا عن جدّه. جدّ ماركيز كان كولونيلاً، لكن جدّي أنا، في عينيّ، يفوقه أهميّة.

في الوقت الحالي أريد أن أستمتع وأفرح بصدور “بين الصلاة والنوم”. كان الغوص في الماضي جميلاً وسلساً، فالصور راسخة في ذهني، موجودة في داخلي، هي التي تأتي إليّ وتفرض نفسها عليّ فأكتب عنها. لكنّني أشعر الآن أنني لو كتبت، فستكون كتابتي حزينة. كتابة عن نهاية الأشياء، تشبه نهاية العمر.

– See more at: http://www.almodon.com/culture/2017/2/14/

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*