تونس: ذكرى انتفاضة الخبز

 


مالك التريكي
Jan 20, 2018
القدس العربي


أحداث الخبز في تونس

كانت جلسة الاستماع العلنية التي عقدتها «هيئة الحقيقة والكرامة» الأسبوع الماضي حول انتفاضة الخبز التي وقعت في تونس أوائل يناير/كانون الثاني 1984 مناسبة استعادية لصفحة مريرة حزينة في تاريخ تونس المعاصر. أكثر من عشرين شهادة أدلى بها بعض من ضحايا هذه الانتفاضة التي اندلعت احتجاجا على قرار النظام آنذاك، امتثالا لتعليمات صندوق النقد الدولي، برفع الدعم الحكومي عن المواد الغذائية الأساسية، بما في ذلك زيادة سعر الخبز بنسبة 112 بالمائة، حيث ارتفع سعر الرغيف من 80 إلى 170 مليما. شهادات أدلى بها مواطنون لا يزالون يقاسون إلى اليوم جراحات ما تعرضوا له من مظالم وتنكيل، ومن تجفيف لمنابع الأمل في حياة من كانوا منهم آنذاك شبابا. كل شهادة تنطق بعمر مهدر ووجع منفرد. ولكن جميع الشهادات تلتقي في تأكيد حقيقة بنيوية في تركيبة نظام حكم دولة ما بعد الاستقلال: عسف التعامل واعتباطية القرار.
ولذلك فقد راجت في تلك الفترة من عام 1984، التي فرضت فيها السلطات حظر التجول ليلا، طرفة تراجيكوميدية تختزل كل ما قرّ في الوعي الشعبي بشأن تعسف الدولة واعتباطها وسماجة إجرامها في حق مواطنيها. تقول الطرفة المضحكة المبكية إن شرطيين كانا في دورية أواخر النهار وكان الشارع مقفرا فلمحا رجلا يسير حاملا كيسا من المشتريات الغذائية عائدا به إلى عائلته، فإذا بأحد الشرطيين يصوب نحوه رشاشه ويطلق عليه النار فيرديه. صاح به زميله: ماذا دهاك؟ لماذا أطلقت النار على الرجل؟ ما زالت تفصلنا حوالي ساعة عن بدء وقت حظر التجول. فأجاب القاتل: إني أعرفه، إنه من جيراننا. ولا يمكنه، بسبب بعد المسافة، أن يصل إلى بيته قبل بدء وقت حظر التجول!
هذه الساديّة المرضيّة، المستعصية على التفسير، هي الحقيقة التي تتقاطع جميع الشهادات في تأكيدها. حيث تتواتر الروايات عن اعتقالات بالجملة، كما اتفق، وعن عمليات تعذيب ممنهج من شبه المستحيل فهم نفسية الجلاد الذي يرتكبها، وعن إطلاق النيران على الأطفال وعلى النساء، بمن فيهن العجائز، وعلى منع العائلات من إنقاذ الجرحى من أبنائها ومن استدعاء سيارات الإسعاف وحتى من نقلهم إلى المستشفيات بوسائلها الخاصة، وعن منع العائلات من دفن الضحايا من أفرادها وإقامة الجنائز لهم أو قبول التعازي، بل وعن الاستمرار في مضايقة هذه العائلات طيلة عقود بعد الأحداث. يقول أحد هؤلاء الضحايا، وهو رجل مسنّ يؤثر في السامع بصدق نبرته وأصالة لهجته، وقد قتل ابنه وابن عمه: إن قوات الأمن دأبت بعد ذلك على مداهمة بيته دون تفسير السبب ودأبت على مضايقته ومساءلته عن أبسط الأشياء. قالوا له يوما: رأينا أنك خرجت من البلدة مسافة كيلومتر ونصف، أين كنت؟ أجابهم: كنت في زيارة والدتي. فتفتقت أذهانهم عن سؤال عبقري: ولماذا تزور والدتك؟ فأجاب مذهولا: … وأنتم؟ أفلا تزورون أمهاتكم؟
وحتى اليوم لا يزال أبناء شهداء هذه الانتفاضة وأقرباؤهم على القائمة السوداء كأنهم مجرمون، حيث أنهم محرومون من حق الحصول على عمل يقتاتون منه لأنهم ممنوعون من الحصول من السلطات المحلية على شهادة حسن السيرة والسلوك التي لا يمكن لأي كان أن يحصل على وظيفة أو عمل بدونها. هذه هي حقيقة دولة الاستقلال: تنكيل ممنهج ضد مواطنين أبرياء يستمر عقودا ويحصد الضحايا من العائلة ذاتها جيلا تلو جيل. تنكيل مجاني سمج غبي، ما كان لقراقوش أن يأتي بأوخم وأخبل منه لو أراد.
ومعروف أن كثيرا من المظاهرات التي خرجت آنذاك لم تكن تمثل أي تهديد لنظام الحكم، وإنما كانت منصبة على الاحتجاج على زيادة سعر الخبز، ولهذا كانت تهتف ببساطة «يا بورقيبية يا حنين (أي يا حنون) رد الخبزة بثمانين». وفي هذا دليل على صدق الحس الشعبي في إدراكه لطبيعة دولة الاستقلال، من حيث هي بناء تسلّطي قمعي ذو منطق مستغلق، وفي تقديره (الذي سرعان ما أكدت صحته الأحداث) بأنه لا يمكن الاستجارة من هذه الدولة وتوقّي شرها إلا باستدعاء منطق ما قبل الدولة أو ما فوقها: أي صورة العطف الأبوي البورقيبي.
قال رجل روى كيف اعتقل وعذب بينما كان مجرد طفل في الخامسة عشرة: وبعد هذا كله، فيا ليت الخبز يعود اليوم خبزا بمثلما كان! لقد كان الرغيف يكفي عائلة كاملة: كانت زنته حوالي كيلو. وكان يمكن للفرد الاكتفاء بشراء ربع رغيف بعشرين مليما فقط.

٭ كاتب تونسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*