تهويل إسرائيلي في فراغ لبنان

النهار
29092018


جانب من مناورة قتالية بالذخيرة الحية اجراها الجيش اللبناني أمس في حقل رماية حنوش في حامات. (م. ت.)

ليس تفصيلاً عابراً ان تدخل اسرائيل على خط التوظيف السياسي والدعائي والامني والعسكري للواقع اللبناني الراهن من بوابة اطلاق موجات التخويف والتهديد المبطن أو المباشر المتصل بمزاعم عن اقامة “حزب الله ” قواعد منصات صاروخية ملاصقة لمطار رفيق الحريري الدولي أو في الضاحية الجنوبية. فبعيداً من الجدل العقيم في صحة او عدم صحة هذه المزاعم، يبدو الدخول الاسرائيلي على خطوط التوتر العالي اللبنانية في أقل التقديرات بمثابة محاولة متقدمة للاستثمار في الازمة السياسية الداخلية، الامر الذي يضع لبنان بكل قواه السياسية ومراجعه أمام مسؤولية استعجال تأليف الحكومة والتصدي للتحديات المتراكمة داخلياً وخارجياً حتى لو غلبت الانطباعات والتقديرات التي تستبعد مغامرة اسرائيلية عسكرية في لبنان في الظروف الحالية على الاقل. لكن وتيرة العبث الاسرائيلي من خلال اثارة المزاعم عن تهديد امن المطار اتخذت طابعاً سريعاً اذ عمدت اسرائيل لليوم الثاني الى التلاعب على هذا الوتر.

وغداة رفع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو صوراً لقواعد مزعومة لمنصات صاروخية قرب المطار، نشر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي امس عبر صفحته على موقع “تويتر”، فيديو أرفقه بتحذير للمسافرين عن وجود موقع قريب من المطار ادعى أنه لـ”حزب الله” ويستخدمه لتطوير الصواريخ. وكان ادرعي نشر صباحاً صوراً وفيديو لبنية تحتية في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، مدّعيا انها لتحويل صواريخ أرض – أرض إلى صواريخ دقيقة، لدى “حزب الله”.

وادعى أن “حزب الله” حاول في السنة الأخيرة إقامة بنية تحتية لتعديل الصواريخ في حي الأوزاعي المجاور لمطار بيروت الدولي”، وان قادة الحزب “اتّخذوا قراراً بتحويل مركز ثقل مشروع الصواريخ الدقيقة الذي يتعاملون معه منذ فترة إلى المنطقة المدنية في قلب بيروت”. واضاف “ان تنفيذ مشروع الصواريخ الدقيقة يتم استناداً إلى “خبرة وتكنولوجيا وتمويل وتوجيه إيراني”، و”ان إحدى المحاولات لنقل ميكانيات مخصصة لتحويل صواريخ إلى دقيقة من سوريا إلى لبنان استهدفتها إسرائيل يوم 17 ايلول الماضي”.

ووسط الصمت الرسمي عن الادعاءات الاسرائيلية رد “حزب الله” بلسان وزير والشباب والرياضة في حكومة تصريف الاعمال محمد فنيش الذي قال في تصريح له: “لنترك نتنياهو مع أكاذيبة وأوهامه. ليتحدّث بما يشاء ويُحرّض بالطريقة التي يريد. نكتفي بالقول إن المقاومة لديها قدراتها كما عبّر عنها الامين العام السيد حسن نصرالله، ونحن معنيون بالتصدّي لعدوانه ولأي اعتداء جديد على لبنان”.

وأضاف: “الاسرائيلي يعرف تماماً ماذا ينتظره اذا أقدم على أي عدوان على لبنان. واذا لم يعرف فسيتفاجأ”.

وليلاً كذبت محطة “المنار” الادعاءات الاسرائيلية وقالت: “بِحَسَبِ الواقعِ اللبناني فاِنَ كَذِبَ نتنياهو لا يحتاجُ الى دليل، فليُجِب الاتحادُ اللبنانيُ لكرةِ القدمِ الذي يُقيمُ مبارياتِهِ الرسميةَ على ملعبِ نادي العهد، وَوِزارةُ التربيةِ المشرفةُ على المدارسِ الرسميةِ والخاصةِ ومنها المدرسةُ التي حدَّدَها نتنياهو في رسومِهِ الواهية. اما مطارُ بيروتَ الذي دمرهُ جيشُ نتنياهو غيرَ مرة، فلن تكونَ مَدارِجُهُ مسرحاً لاكاذيبهِ ولا لاَوهامِه. وخلاصةُ الكلامِ اَنَ المعادلاتِ التي رسمَها الامينُ العامُّ لحزبِ الله السيد حسن نصر الله ومقاوموهُ لحمايةِ لبنانَ كلِ لبنانَ بمطارهِ ومرافئهِ ونِفطهِ ومنشآتهِ لن يستطيعَ نتنياهو ان يُغَيِّرَ منها شيئاً وهو المختنقُ في الاجواءِ السوريةِ”.

المربع الاول

في ظلّ هذا المناخ، غلف التخبط والغموض افق التحركات المتصلة بازمة تأليف الحكومة. واذا كانت عودة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى بيروت أمس أوحت بامكان تحريك المشاورات والمساعي لتجاوز التعقيدات التي تعترض التأليف، فان أي شيء ملموس لم يبرز بعد في الاتجاهات الايجابية الموعودة. وقد تضاربت المعلومات عن امكان حصول تحركات في الساعات والايام القريبة أبرزها حديث عن لقاء سيجمع الرئيس عون والرئيس المكلف سعد الحريري في وقت قريب جداً لتداول المخارج الممكنة للازمة في ظل السقوف العالية للاشتراطات المتعلقة بالحصص وتوزيع الحقائب الوزارية. لكن مصدراً معنياً بعملية التأليف قال مساء لـ”النهار” إن العملية عادت برمتها الى المربع الاول في انتظار ما ستحمله الايام المقبلة من تطورات. وأوضحت أوساط مطلعة انه اذا كانت الساعات الاخيرة شهدت تصاعد الكلام لدى بعض المراجع عن حكومة اكثرية كخيار محتمل فان الواقع يؤكد ان لا امكان اطلاقاً لقبول أفرقاء اساسيين بهذا الخيار الذي يعني “حكومة بمن حضر”، مشددة على ان الرئيس المكلف يتمسك بحكومة توافقية، كما ان الثنائي الشيعي نفسه يؤيد حكومة توافقية ولا يماشي خيار حكومة الاكثرية. ورجحت ان يعود الرئيس عون نفسه على رغم تطرقه الى هذا الخيار، الى تأكيد تفاهمه مع الحريري على حكومة توافقية. وادرجت كلامه في اطار ممارسة الضغوط على القوى السياسية لاستعجال عملية دفع تاليف الحكومة بعد عودته من نيويورك. وكان رئيس الجمهورية صرح في حديث الى الصحافيين الذين رافقوه على الطائرة في رحلة العودة من نيويورك الى بيروت: “ان هناك نوعين من الحكومات، حكومة اتحاد وطني ائتلافية أو حكومة اكثرية، واذا لم نتمكن من تأليف حكومة ائتلافية، فلتؤلف عندها حكومة اكثرية وفقا للقواعد المعمول بها، ومن لا يريد المشاركة فليخرج منها”. وعما اذا كان هذا الخيار متاحاً ويُسهّل تمريره في مجلس النواب، قال: “ان الامور لا تبدأ على هذا النحو، فمن يريد تأليف حكومة يستطيع تأليفها وفقا لقناعاته والمقاييس والمعايير المتماثلة لقانون النسبية. واذا استمر البعض في الرفض تارة والقبول طوراً، فلتؤلف وفقا للقناعات. واذا شاء اطراف عدم المشاركة، فلتخرج منها”. وختم: “انا رئيس للجمهورية ولا يمكنني الخروج من الحكومة، لكن قد تخرج الاحزاب التي تؤيدني منها “.

وبرزت مفارقة لافتة في هذا السياق تمثلت في تزامن موقف الرئيس عون مع موقف آخر مماثل أطلقه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي من كندا حيث رأى أنه “لا يوجد أي مبرر شرعي لعدم تأليف الحكومة منذ الاسبوع الاول من التكليف. كفى سماع استشارات من هنا وهناك، فليؤلف الرئيس المكلف مع رئيس الجمهورية الحكومة وليقبل بها من يقبل، وليرفض من يرفض فالوطن اغلى من الجميع”.

لكن عضو كتلة “المستقبل” النائب عاصم عراجي صرح لـ”وكالة الانباء المركزية”: “ان “موقف الرئيس الحريري واضح بتمسكه بحكومة الوحدة الوطنية”. وقال: “نحترم رأي رئيس الجمهورية وله الحق بان يُعطي رأيه في الموضوع، لكنه لا يُلزم به الرئيس الحريري”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*