تلوّث في يوميّات اللبناني والحلول على قياس المصالح

يتوغّل التلوّث في يوميات اللبناني من دون إذن أو دستور. ولا شكّ في أنّ التحقيق الميداني في محيط سكن الصيادين في منطقة الجناح الأوزاعي عكس مدى تأثر البيئة الحاضنة بوضع البحر الملوّث بنفايات متنوعة تهدد الثروة السمكية على المدى القريب.

ما يحزن هو تغيّر لون البحر. فيه تُرمى النفايات عشوائياً، وتصل الى عمقه المجارير الصحية، مما حوّل لون البحر الأزرق مزيجاً بين الأصفر والأخضر.

حكايات الصيادين تعكس واقع الحال مع الشباك التي ترمى يومياً في البحر، وتكون حصيلة الصيد قليلاً من السمك وكثيراً من النفايات التي تمزّق الشباك.

هذا غيض من فيض. وتتراكم الحلول المقترحة محلياً لإدارة النفايات، منها اعتماد المحارق. قالوا لنا بأن البلدان الأوروبية تعتمد المحارق كحل لإدارة النفايات، وأنّ هذه المحارق بُنِيَت في قلب المدن، وأن بعضها بُنيت حولها حدائق عامة وجُعِلت متنزّهاً، وذلك ليبرّروا لنا خيار المحارق إبّان أزمة النفايات التي استفحلت.

لكن ما لم يقولوه لنا هو ان لدى كل من هذه البلدان الأوروبية منظمة بيئية تعنى بجودة الهواء، وتراقب الانبعاثات الناتجة من عمل المحارق، وتلك المتصاعدة من المعامل وعوادم السيارات، وتفرض على قطاع المحروقات شروط التزام صارمة بالمعايير البيئية. أضف إلى ذلك أنّ جميع هذه المنظّمات تراقبها أجهزة الاتحاد الأوروبي.

تبلغ ميزانية هذه المنظمات البيئية نحو 65 مليون أورو سنوياً في بعض هذه الدول، وتملك حرية صرفها في صيانة المعدات أو إجراء القياسات والبحوث، وكل ذلك من أجل تأمين بيئة أفضل للمواطن.

التعامل الجدي لدول الاتحاد الأوروبي مع الانبعاثات أدى إلى رصد معدلات سنوية للجزئيات السامة في الهواء لا تتخطى 12 ميكروغراما في المتر المكعب من الهواء، أي ما يعادل 20% فقط أكثر مما تنصح به منظمة الصحة العالمية. وهو رقم ممتاز نظراً إلى ضخامة القطاع الصناعي في هذه البلاد. ورغم ذلك، فقد وجّه الاتحاد الأوروبي في كانون الثاني 2018 تحذيراً الى تسع دول، طالبا منها إظهار الآليات التي ستتخذها للامتثال لقوانين جودة الهواء التي وضعها الاتحاد، والا ستواجه محكمة العدل الأوروبية.

أما في لبنان، فالمعدل السنوي للجزئيات السامة هو أضعاف ما سجّل في الدول الأوروبية، ويتخطى المعدل السنوي المسموح به عالمياً بـ220%. وهذا ينسب إلى وجود سيارات قديمة ومولدات كهرباء وحرق عشوائي للنفايات، مما يؤدّي إلى انبعاثات من الغازات والجزئيات السامة من دون حسابٍ أو رقابة. فمعدّل عمر السيارات في لبنان يتخطى 18 سنة، ممّا يعني أن معظم السيارات لا تطابق المعايير الجديدة للانبعاثات، وتحرق وقودها بطريقة غير فعّالة. هذا ما أضأنا عليه في دراساتٍ اجريناها في مختبرات الجامعة الأميركية في بيروت، حيث أظهرنا أن السيارات تساهم في زيادة المواد السرطانية من الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقة “ب ا ه س” بمعدل 60%.

أمّا من ناحية المولدات، فلبنان يحتل مرتبة متقدّمة بين الدول التي تستعمل المولدات الكهربائية، بحيث يوجد مولد لكل عمارتين. وهذا ما يترجم في زيادة المواد السرطانية “ب ا ه س” بمعدل 32%. كذلك، تخطى عمر هذه المولّدات 20 سنة، ولا توجد حتى الآن قوانين تحدد الحد الأدنى للانبعاثات، ولا دفتر شروط لكيفية تركيب هذه المولدات وتشغيلها.

أما النفايات، فهي الأكثر ضرراً في جميع الأحوال. فقد أظهرت الفحوص التي أجريت في مختبراتنا، أن عدد الملوثات البيولوجية (وهي أجسام مجهرية من البكتيريا والفطريات) قرب مكبّ للنفايات هي 7 أضعاف المستوى الموجود في أماكن نظيفة. كذلك، يزيد حرق النفايات المستحدث من عدد من البلديات، كمية المواد المسرطنة في الهواء بنسبة 400%. تُضاف إلى ذلك انبعاثات أخرى من المصانع في عدد من المناطق الصناعية والكسارات وإلى ما هنالك.

أما إذا أراد المواطن اللبناني “المشحّر” أن يهرب من الملوثات التي تملأ الجو قاصداً الراحة في المقاهي، فإنّه يصطدم بآفة أكبر هي التلوث الناجم عن النرجيلة. فقد أظهرت أبحاثنا أنّك إذا جالست صديقاً يدخّن النرجيلة، فإنّك تتعرّض، حتى لو لم تشاركه فيها، لانبعاثات “ب ا ه س” توازي ما يمكن أن تستنشقه لو أنّك دخّنت أربع سجائر. ونذكّر في هذا المجال بقانون منع التدخين في الأماكن العامة الذي يحمل الرقم 174، والذي كلّف مالاً كثيراً من الدول المانحة، ووقتاً وجهداً ضخماً من الأساتذة في الجامعة الأميركية وعددٍ من الجمعيات.

لكنّنا فوجئنا بأن تطبيق هذا القانون كان هشّاً جداً في المطاعم عموما، وفي الأماكن الرسمية خصوصا، إلى أن بطل العمل به تماماً. أمّا الجديد في عالم التدخين، فهي السيجارة الإلكترونية، إذ يعتقد الناس أنهم بأمانٍ تام إذا استخدموها. لكن بحوثنا أظهرت خلاف ذلك. فأين الدولة من نشر التوعية في هذا الموضوع؟

من أجل كل ما ذكرناه، ولأن الدولة غير مهتمة بمعرفة الأضرار الناجمة عن كل هذه الانبعاثات على صحة مواطنيها، لم نعد نصدق، رفاقي وانا في ائتلاف إدارة النفايات، أن تنفيذ المحارق سيراعي المقاييس العالمية.

وحتى لو أنفقت الدولة مبالغ طائلةً على شراء أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العالمية من محارق، فالتشغيل سيكون “عاللبناني” من دون أدنى شك! وإذا تخيّلنا أنّ الانبعاثات ستكون مطابقة للقوانين العالمية في الاشهر الستة الأولى، فلن تكون سوى مرحلة ستنقضي سريعاً، ليحل بعدها الخراب، كما حلّ في غيرها من المشاريع.

وعليه نرى أن المواد المسرطنة الأكثر خطورة والجزيئات التي تسبب أمراضا قلبية، سترتفع معدلاتها في الجو. وبذلك تتزايد حالات الأمراض السرطانية والقلبية أكثر مما هي عليه من مستويات عالية. اظهرت الدراسات في الجامعة الأميركية أن أمراض القلب في المنطقة تظهر قبل 12 سنة مما تظهر في بلدان أخرى.

وانطلاقا من موقعي كناشطة بيئية، أطالب القيّمين على تشريع المحارق بأن يظهروا حُسن نية ويصدروا القوانين اللازمة للحد من انبعاثات المولدات، وتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن المغلقة كتجربة، قبل أن يجعلونا حقل تجارب مع مواد أكثر خطورة وتدميراً لحياتنا. كذلك، أطالب الجميع بأن يرفضوا هذه المحارق في محيط بيوتهم، وأن يصرّوا على أن تكون المحارق في حديقة الأشخاص المحبذين لها.

على صعيدٍ آخر، وبصفتي مديرة مركز حماية الطبيعة في الجامعة الأميركية، كنت أول من تبنى نهجا تشاركيا عاما للعلوم، يتكوّن من جمع أفراد الجمهور العام البيانات المتعلقة بالبيئة وتحليلها، كجزء من مشروع تعاوني مع علماء محترفين. كأستاذة جامعية، أؤمن برسالتي المهنية التي تلزمني نشر الوعي العلمي بين التلامذة، وإطلاع الشعب على الخلفية العلمية للأمور.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*