تكاليف الكذب السياسي مقعدة في المستقبل القريب


مروان اسكندر

10 آذار 2017

نمارس في لبنان هواية الكذب السياسي في مجال مناقشة الحاجات الصحية المجتمعية ونختبئ وراء مبادرات يفترض ان تكون شرعية قانونًا وهي في الوقت ذاته غير قابلة للتطبيق و بعض اقتراحات وزراء متحمسين غير قابلة للتطبيق، كما هنالك قرارات لمجلس الوزراء غير قابلة للتطبيق ايضًا، والمواطن العادي قبل مواجهته الامراض والحاجة الى الاستشفاء ينام على حرير الوعود ليكتشف من بعد انها وعود فارغة وغير قابلة للتطبيق.
ويزيد سوء هذا الواقع المتفشي ان الدراسات متوافرة عن الثغرات التي تطاول أنظمة التقاعد والاستشفاء في لبنان، وهنالك كتاب أساسي لكل مشترع وضعه خبير في القضايا الاجتماعية والصحية هو الاستاذ رفيق سلامة وعنوان الكتاب “الامن الاجتماعي على حافة الهاوية، صندوق الضمان الاجتماعي – واقعه وعثراته”. ورفيق سلامة عضو في مجلس ادارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وشغل سابقاً منصب رئيس اللجنة الفنية للصندوق وكان مستشاراً لدى رئاسة الحكومة في قضايا الضمان الاجتماعي والعمل، والكتاب صادر عن دار سائر المشرق عام 2017 ويقع في 280 صفحة.
شاهدنا حديثاً مبادرات لوزراء ومجلس الوزراء تهدف الى حماية المسنين، من اللبنانيين عامة ممن تجاوزوا سن ال64 ولا يتمتعون بحماية صحية تمكنهم من الحصول على الدواء والمعالجة لمجرد البرهان على انهم لا يتمتعون باي حماية صحية. صدر القرار عن وزير الصحة السابق الاستاذ وائل ابو فاعور الذي بادر الى اصدار قرارات عدة وفرت صورة عن اهتمامه بالشأن الاجتماعي.
معالجة ذوي الحاجات الصحية ممن تجاوزت سنهم الـ64 من غير ان تتوافر لهم امكانات الضمان الخاص، يفترض ان تتوافر من وزارة الصحة، ويبدو من تصريحات نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون – وهو مع شقيقه صاحب مستشفى خاص متقدم التجهيز – ان المستحقات للمستشفيات على وزارة الصحة متأخرة الى حد بعيد، وقد حذّر من ان استمرار تأخر تسديد مستحقات المستشفيات سيؤدي الى اهمال حاجات المسنين من غير المتمتعين بأنظمة حماية صحية بعد الـ64، ورأي سليمان هارون ان المستشفيات الخاصة قد تضطر الى حصر خدماتها بالميسورين من أصحاب الاموال أو الضمانات الصحية التعاقدية مع شركات التأمين.
وزير الصحة الجديد الذي نتلمس لديه ومنه قدرات تنظيمية وتوجهات حداثية، أعلن عن تسديد مستحقات المستشفيات حتى صيف 2016، وهذا انجاز في حال تحققه يمهد لتسديد المستحقات المترصدة في صيف 2017 فعسى خيرًا، لكن تقدير توقعات تكاليف ضمان من تجاوزوا الـ64 وليست لهم تغطية صحية أمر لم يتحقق حتى تاريخه، وهنا نلجأ الى احصاءات من كتاب الاستاذ رفيق سلامة تدعو الى القلق.
ان اللبنانيين غير المتمتعين بتغطية صحية، سواء من نظام الضمان الاجتماعي أو أسلاك خدمة عامة تؤمن الضمان على مستويات أوفر، للجنود ورجال الامن والقضاة مثلاً، أو ممن يتمتعون بضمانات صحية تعاقدية مع شركات تأمين، يبلغ عددهم 1,453,000 لبناني ولبنانية. ولنفترض ان نسبة 20 في المئة من هؤلاء تتجاوز سن الـ64، أي ما يساوي 290,000 لبناني ولبنانية يستحقون بموجب قرار وزير الصحة السابق الحصول على الضمان الصحي. فهل بحث الوزير، ومجلس الوزراء في تكاليف هذه الرعاية وكيف يمكن توفيرها، علمًا بان المدفوعات المستحقة كانت متأخرة أكثر من سنة للمستشفيات؟
نتوقف قليلاً لنقول إن الغش في التقديمات الصحية، يهدد التقديمات المرتبطة بالصندوق الوطني في المقام الاول، والذي فرعه للضمان الصحي يشمل نسبة 32 في المئة من مجموع اللبنانيين، فهنالك ضرورة قصوى كما أكد رفيق سلامة “لتأمين الوصل الالكتروني بين المستشفيات والصندوق وضبط عمليات الدفع واعتماد البطاقة الالكترونية الموحدة، وانشاء وحدة متفرغة لادارة ومكافحة الغش في التقديمات الصحية”. ان هذه المستوجبات لضبط الهدر في المجال الصحي تسري على تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كما على التزامات وزارة الصحة التي يفترض انها توسعت الى حد بعيد بعد قرار تأمين الخدمات الصحية لمن بلغوا سن الـ64 من غير المتمتعين بانظمة حماية عامة أو خاصة.
وقد أضاف مجلس الوزراء على ما يبدو الى مبادرة الوزير أبو فاعور التي من المستحيل في الظروف القائمة تنفيذها، توفير الضمان الصحي لمن يشملهم صندوق الضمان الاجتماعي بعد تقاعدهم، لان نظام الصندوق لا يوفر حتى تاريخه هذه المنفعة. وجدير بالذكر ان هذه المنفعة أقرت من غير تفحص نتائجها، وهذا أمر مؤكد، لان الحسابات الختامية للصندوق الوطني لم تقترن بمصادقة مجلس الادارة منذ عام 2006، أي منذ عشر سنين، فضلاً عن أن ديوان المحاسبة لم يدققها (راجع كتاب رفيق سلامة).
ومن المعلوم ان حسابات صندوق المرض والامومة تعاني العجز بين الموارد والنفقات منذ سنوات، وخلافًا لمستوجبات القانون تقترض مبالغ العجز من صندوق تعويضات نهاية الخدمة الذي يعاني بدوره ثغرات حسابية مخيفة.
نأتي بعد كل ما ذكرنا الى موضوع سلسلة الرتب الرواتب والتي تعالت أصوات انتقاد التأخير الحاصل في اقرارها، علمًا بان اللجنة المكلفة دراسة هذا الموضوع، طلبت، وهذا الطلب في موضعه، دراسة الاعباء الاضافية المترتبة على زيادة اعداد الموظفين ولا سيما منهم المنتسبين الى الاسلاك العسكرية والامنية، وهؤلاء على ما يبدو وحدهم وهنالك غيرهم من الموظفين الجدد، بلغ عديدهم اكثر من 15,000 جندي وشرطي، وقد ساهموا ولا يزالون في توطيد الامن واشعار اللبنانيين بان هنالك مسعى حقيقياً لمحاربة الارهاب على مختلف أنواعه.
على رغم الحاح وشرعية تخصيص الاسلاك العسكرية بالكفاية المادية والمعنوية، لا بد من ابداء الملاحظة التالية وهي مأخوذة من كتاب رفيق سلامة حيث يقول: “ان نظام التقاعد في القطاع العام في لبنان في الاسلاك العسكرية بصورة خاصة لم يبلغ مداه في السخاء أي نظام تقاعدي في العالم، وان آثاره السلبية على المالية العامة والاستثمار وعلى النمو الاقتصادي والمديونية العامة هي كبيرة ومتزايدة، بل هي كارثية بكل معنى الكلمة على المدى البعيد”. جدير بالذكر ان تقاعد قائد الجيش اللبناني يتجاوز بالقيمة ما يحصل عليه رئيس أركان القوات الاميركية في تاريخ تقاعده ونحن نشير الى التعويض بما يساوي من الدولارات.
ايها السادة المتولين مستقبل البلاد والعباد، كفى تصريحات لا تطمئن وعليكم واجب اختصار الهدر، ولن يكون ذلك بإصلاحات تشريعية وتنظيمية بموجب الانظمة المتقادمة المعمول بها والتي يدعو الى اعتمادها وزير معالجة الفساد، بل بضبط عجز الكهرباء، سواء عن سبيل التعجيل في استعمال الغاز في الانتاج الكهربائي، أو توسيع دور القطاع الخاص. وحساسية وزير الطاقة الذي يستغرب اقتراحات نائب رئيس الوزراء، تدعو الى العجب، فهو كان من المساهمين في استقدام بواخر انتاج الطاقة التركية – وهذه خطوة تخصيصية وان تكن تبدو موقتة وقد اصبحت بعد التمديد الجديد اقرب الى ان تكون من صلب شبكة تأمين الكهرباء. ووزير الطاقة يعلم ويدرك ان طاقة المولدات الخاصة باتت أكبر من طاقة المعامل التابعة لمصلحة كهرباء لبنان، وتالياً اصبح القطاع الخاص منذ زمن المدخل لزيادة الطاقة المتوافرة لتأمين حاجات المواطنين.
ان المطلوب تنظيم هذه الظاهرة واختصار تكاليف انتاج الكهرباء وتوزيعها، كما ضبط التلوث، ووزير الطاقة يعرف كل هذه الضرورات، وهي تستحق انتباهه قبل تركيزه على تصريحات محقة وأساسية لبعض زملائه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*