تقبّل الحقيقة مدخل الحل

          مروان اسكندر
          النهار09112018

معلوم ان مشكلة لبنان الاقتصادية هي ان القطاع العام أصبح يشكل بأرقامه الرسمية والمنافع غير الشرعية لبعض موظفيه نسبة 55 في المئة من الدخل القومي الحقيقي.

إن اتساع رقعة القطاع العام وترهل معظم وزارات الخدمات أمر يعني ان النمو يرتهن بفاعلية اداء هذا القطاع. وحيث ان الفاعلية متردية، باستثناء قوى الجيش والامن، لا يمكن توقع ارتفاع معدل النمو الى مستوى يسهم في تأمين فرص عمل للشباب المتخرج من الجامعات والثانويات، وعدم توافر الفرص المفيدة يدفع شبابنا الى الهجرة ويؤخر الرغبة في الزواج والانجاب. والنمو وخفض الدين العام هما الهدفان الرئيسيان في لبنان اليوم ومن قبل.

اللبنانيون جميعًا يريدون للعهد النجاح ويطالبونه بخطوات اصلاحية لم يظهر منها ما يقنع بان المستقبل سيكون واعدًا، ولعل أفضل دليل على ذلك ان الجلسة المقبلة لمجلس النواب تشمل النظر في قوانين ومراسيم تجيز في ما تجيز، تمديد امتياز كهرباء زحلة سنتين. ذلك ان وزارة الطاقة التي وعدت بان تحل محل الشركة مطلع السنة، عاجزة عن الوفاء بوعدها، وأهل زحلة و23 قرية تستفيد من امتياز كهرباء زحلة ارادوا عقد اجتماع شعبي نهاية هذا الاسبوع للاحتجاج على انهاء فترة توفير الكهرباء 24/24 من هذا الامتياز.

اضافة الى ذلك، ثمة مشروع معروض على النواب يمهد لاستفادة بلدات اخرى من خدمات شركات تؤمن التيار 24/24 تتجاوز الحاجات للمولدات الخاصة التي انفق على شرائها وعلى استعمالها اللبنانيون أكثر من ستة مليارات دولار خلال السنوات الخمس المنصرمة.

منذ عام 2008 كتبت على الاقل عشرين مقالاً عن مشكلة تأمين الكهرباء بشكل مستمر ومستقر، وبتكاليف تقلّ بنسبة 40 في المئة عن تكاليف التوليد والنقل من مصلحة كهرباء لبنان، واشرت تكرارًا وفي المقال السابق الى ان نسق توليد كهرباء المدن في المانيا وانكلترا اصبح يعتمد على المولدات النقالة، والتي تستعمل الغاز الطبيعي او غاز البوتان.

طوال عشر سنين لم نشهد خطوة اصلاحية في مجال انتاج الكهرباء وتأمينها للمواطنين، فاصبح هنالك نشاط بديل تمثل في تعدّد خدمات المولدات الخاصة، ومنها مولدات تبلغ طاقتها الفين أو خمسة آلاف ميغاوات يستخدمها صناعيون ومستشفيات ومؤسسات تعليمية الخ. وكان الوقع ولا يزال شديدًا على المستهلكين الذين يشتركون في المولدات الخاصة اذا ارادوا لابنائهم التمكن من الدراسة ليلاً والحصول على بعض التدفئة الخ.

ومنذ 2008 وحتى تاريخه، لم يرفع قطاع الكهرباء الذي تسيّره وزارة الطاقة مستوى الانتاج ميغاوات واحداً وانفقنا 1.2 مليار دولار، افترض ان تسهم في انجاز محطتين بطاقة 1000 ميغاوات، على استئجار بواخر، وارتفع عجز الموازنة بسبب التسليفات لمصلحة كهرباء لبنان الى نسبة 43 في المئة من الدين العام الذي يتوقع الكثيرون تسببه بضيق أوسع وأشمل اقتصاديًا مما نشهد اليوم.

سارع القيمون على حياتنا، دونما تكليف جماعي حر، الى الاستنجاد بالمؤسسات العالمية والدول الصناعية لاعانة لبنان على ترميمم منشآت البنية التحتية وتجديدها وتطويرها، ونتيجة دعم بعض المؤسسات الدولية وبعض الدول مثل فرنسا والمانيا، توافرت وعود بالتزامات اقراضية بمبلغ 11 مليار دولار للبنان من المؤسسات والدول المشاركة في “مؤتمر سيدر”. لكن اصحاب الالتزامات اشترطوا تنفيذ الادارة اللبنانية اصلاحات جذرية أهمها اصل

لقد بيّنا بوضوح ان موضوع الكهرباء لم يحقق أي تطوير وأي تحسين، ولو أقدم العهد، ووزراؤه تولوا وزارة الطاقة منذ عام 2008، على اعتماد تلزيم شركات خاصة تأمين الكهرباء بالمولدات النقالة، وهذا ما فعلته دبي مع شركة لبنانية منذ سنوات لتأمين النور لاهم شوارعها التجارية والسياحية، لكانت الحصيلة انخفاض الدين العام 30-32 مليار دولار، وتحسن ميزان المدفوعات خلال خمس سنوات 6-8 مليارات دولار، ولما كانت هنالك ازمة ومعالجات تفرض اقتراضاً جديداً سيزيد المخاطر ولن يؤدي الى منافع ما دامت الادارة مهترئة ومسيسة الى حد بعيد.

ربما بدت الصورة مكفهرة، وننظر الى الوعود بتحسين مستوى العجز في الموازنة. اللجنة المختصة بمراجعة ارقام الموازنة يرأسها النائب ابراهيم كنعان، وهو صاحب مؤلف عنونه عام 2013 “الإبراء المستحيل” اشار فيه الى فقدان المعلومات عن عجز يبلغ 11 مليار دولار. وفي حينه رددنا عليه ان العجز الذي يتحدث عنه يتمثل في التسليفات التي طلبها زملاؤه وزراء الطاقة والمياه.

لجنة الاستاذ كنعان التي راجعت ارقام الموازنة مدى سنة كاملة، والتي أقرت سلسلة الرتب والرواتب، وفرت أرقاماً لموازنة 2018 التي اعتز بعض السياسيين بانجازها، تشير الى خفض العجز عن السنة السابقة 250 مليون دولار، كما ان اللجنة قدرت كلفة سلسلة الرواتب والرواتب بـ1200 مليار ليرة بينما الارقام ستتجاوز الـ2000 مليار ليرة عام 2018 أي أكثر بنسبة 65 في المئة من الرقم المقدر!

اعتمادًا على هذه الارقام المتوافرة سواء من قطاع الكهرباء أو تقديرات الموازنة، كيف لمن تعهدوا مساعدة لبنان في “مؤتمر سيدر” ان يلتزموا المساعدة لادارة لا تستطيع تقدير تكاليف تسيير شؤونها ولا تضيف أي زيادة الى طاقة الانتاج الكهربائي المتهالكة؟

لبنان يحتاج الى طاقم جديد من الوزراء والى عقلية بعيدة عن تخصيص النفع والانتفاع بفئات معينة طائفية وسياسية.

لبنان يحتاج الى رجال ونساء منزهين ومقتدرين علميًا واخلاقيًا للعمل على خلاص البلد، ولن يكون ذلك بزيادة الاقتراض، بل بإلغاء عجز الكهرباء، زيادة الدخل من مشروع تشريع زراعة الحشيشة وتصديرها، وتخصيص قطاع الاتصالات. ان هذه التوجهات توفر للبنان خلال ثلاث سنوات أكثر من الـ11 مليار دولار التي افترض التزامها في “مؤتمر سيدر”. ونتيجة كهذه تسمح بتسديد التزامات لبنان وتحقيق بعض الفائض في انتظار مداخيل الغاز والنفط اذا تحصلت بعد 6-7 سنوات.

فعسى أن يقتنع المسؤولون بصواب هذا الخيار بدل توجهاتهم حتى تاريخه وفشل ممثليهم في النجاح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*