تغيرت الحياة وبقيت كعكة العيد



لوسي بارسخيان
الجمعة30/03/2018
Almodon.com


لكعكة العيد تفسير ديني وارتباط بالحياة الريفية (لوسي بارسخيان)

تتغير رائحة زحلة بدءاً من مطلع أسبوع الآلام الذي يسبق عيد الفصح، لتفوح من أحيائها رائحة الكعك بحليب، بما يختزنه تحضير هذه الكعكة من عادات اجتماعية فريدة تميز بها الزحليون.

لعله الموسم الأكثر استهلاكاً للطحين والسمن والحليب الطازج في كل أيام السنة بالنسبة للزحليين. إذ حتى بعدما تراجع تجهيز هذه الكعكة في المنازل، يؤكد أصحاب الأفران و”الصالونات” المتخصصة بصناعته أن العيد لا يمكن أن يمر من دون أن يدخل الكعك بحليب إلى كل بيت، ليبقى ملك الضيافات، ولا ينافسه حتى المعمول الذي تسلل إلى المدينة من عادات المناطق الأخرى.

لا تفسير واحداً بشأن هذا الارتباط في زحلة بين العيد والكعكة. حتى السيدات المتقدمات في السن، يذكرن أنهن صحون على مشهد الأمهات اللواتي كن ينظمن حياتهن في الأسبوع الأخير الذي يسبق العيد، على الانتقال من بيت إلى آخر لتقديم العونة في تكعيك العجين، وإرساله مع الأولاد إلى الأفران لخبزه، من دون أن يسألن عن “أصول” هذه العادة.

وإذا كان البعض يشير إلى تفسير ديني، ويربط الكعكة بالصخرة التي أزاحها المسيح ليخرج من قبره، تماماً كالبيض الملون الذي يجسد “انبعاث” الحياة وتجددها مع القيامة، فإن الجيل القديم في زحلة يربطها بطبيعة الحياة الريفية التي كانت تميز المدينة في مطلع القرن العشرين، حيث كان لكل بيت بقرة تؤمن حاجته من الحليب. وكان الطحين يمون بكثرة في الكوارة. كذلك، السمن البلدي الذي يخف استهلاكه في فترة الصوم، ليغدق به على كعكة العيد.

تقول السيدات اللواتي لا يزال بعضهن يحضر الكعكة في البيت إنها عملية دقيقة، وتتطلب خبرة كافية في كمية السمن والسكر المخلوط بالطحين، وفي حرارة الحليب، الذي إما أن يجعلها “عجنة ناجحة أو لا”. ولأن كل بيت كان يحضر ارطالاً منه للعيد، كانت الكارثة تقع على رأس السيدة التي لا “ينفخ” لديها العجين في الوقت المناسب، لتهرول إلى الجيران والأقارب طالبة النجدة.

مع دخول فرن الكهرباء إلى المنازل صار الكعك يخبز في المنازل. ويتعاون فيه الرجال مع السيدات، وغالباً ما يتم تجهيزه ما بعد منتصف الليل، على التوقيت الذي يفرضه تخمر العجينة، حيث يمضي بعض الأزواج “ليلة بيضاء” مع زوجاتهن: هي تكعك الحليب وهو يخبزه.

قبل سنوات قليلة، كانت ضيافة الكعك ترتبط بعادة “المشالحة”. إذ تلازم السيدات المنازل في انتظار الزوار، وجميعهم من الرجال وأولادهم الذكور، ينتقلون من بيت إلى آخر، في زيارة معايدة لا تستغرق أكثر من 10 دقائق، يكون على السيدة خلالها أن تقدم لهم “اليكور”، والبيض الملون للأولاد، والشوكولا، ليلحقن الزائر قبل المغادرة بصحن الكعك، الذي يجب أن يؤخذ واحدة منها “بركة” للعيد.

كان اليوم ينتهي مع جيوب وأكياس مليئة بشتى أنواع الضيافات، ومنها الكعك. فتصر الزوجات على معرفة مصدر كل واحدة منها، لمقارنتها بكعكتها. وغالباً ما لا تعترف السيدات الماهرات بصناعتها بمهارة غيرهن.

فرض نمط الحياة السريع، ونزعة الجيل الجديد إلى الفردية، تراجعاً في هذا التقليد، الذي كانت تتميز به زحلة، لتندثر العادة، وتستبدل بـ”ضهرات” عائلية غالباً ما تنتهي بلقاءات عائلية في الخارج. والجيل القديم الذي كان معتاداً على “المشالحة” استسلم أمام “لامبالاة” الجيل الجديد بـ”رد الرجل”، حتى صارت زيارة العيد تقتصر على “جبر خواطر” المحزونين أو المرضى.

لكن “اندثار” العادات الاجتماعية المحيطة بالكعكة، لم يلغ الكعكة نفسها. فلا تزال رائحتها في أسبوع الأعياد تحمل حنيناً لتلك الأيام. ولا تزال السيدات اللواتي كبرن على هذه العادة، تصرّن على اظهار مهارتهن بصناعتها، حتى لو تكدست كمياتها شحوماً في أجساد أهل البيت. والأهم أنه حتى الجيل الجديد من سيدات البيوت اللواتي لم تتقن صناعتها، وجدن البديل في محلات حلويات متخصصة بصناعتها، نقلت الصناعة من “خبرة ست البيت” وأصبحت عنواناً مقصوداً في زحلة من قبل البيارتة وغيرهم، الذين لا تكتمل زيارتهم إلى المدينة من دون التزود بما يسمونه “كعكة زحلة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*